الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في زحام الحياة وضجيج المادّة، يبقى المؤمن كالنخلة الشامخة، أصلها ثابت في الأرض، وفرعها يحدق في السماء. إنه يعلم يقيناً أن الدنيا ليست دار قرار، بل جسرٌ يعبر عليه إلى دار الخلود، وأن العزّ الحقيقي لا يُقاس بكثرة المال أو جاه السلطان، بل بقدر القرب من الله والأنس بمناجاته. هذه الحقيقة التي غفل عنها كثيرون، تظل نبراساً يضيء درب الصابرين، ويمنحهم بصيرةً نافذة تخترق حجب الغرور.
يعيش المؤمن بين الناس بجسده، مشاركاً في حركة الحياة ومناشطها، لكن قلبه يبقى معلقاً بخالق الكون، فلا تخطف بصره زخارف الدنيا، ولا تغرّه مظاهر البهرجة. إنه كالمسافر الذي يمرّ على معالم الطريق، فيستمتع بجمالها دون أن يتعلق بها، لأنه يعلم أن وجهته الحقيقية أمامه. هذه المعيّة القلبيّة هي التي تمنحه توازناً عجيباً؛ فهو لا يفرح فرحاً طاغياً بما يفرح به الغافلون من متاع زائل، ولا يحزنه ما يحزنهم من فوات حظوظ دنيوية.
أما فرحه الحقيقي، فينبثق من طاعةٍ قرّبته من ربه، أو صلاةٍ أنست روحه، أو صدقةٍ أطفأت غضب الجبّار. وأما حزنه، فلا يكون لفقد مال أو جاه، بل ينبع من معصيةٍ أبعدته عن حبيبه، أو تقصيرٍ في حقّ مولاه. هذا الشعور المرهف يجعل حياته مليئة بالمعنى، لأنه يزن كل شيء بميزان القرب من الله، فلا يستهين بطاعة وإن صغرت، ولا يستهول ذنباً وإن هانت عاقبته في عيون الناس.
وهكذا يظل المؤمن في هذه الدنيا كالغريب الذي ينتظر الرحلة، يملأ وقته بالعمل الصالح، وقلبه بالذكر، وعينه بالاعتبار. إنه يعيش الحاضر بإتقان، دون أن يأسره الماضي أو تخيفه المجهول، لأنه على موعدٍ مع لقاءٍ لا يخيب، وفوزٍ لا يزول. هذه هي عقيدته التي ترفعه فوق صغائر الأمور، وتجعل حياته دنيا في طاعة، وآخرة في نعيم. فطوبى لمن جعل همه الآخرة، وجعل همه في الدنيا ألا تشغله عنها.