الانتفاضة // زهير العمراني
أعاد كأس إفريقيا باتريس لومومبا إلى الواجهة، لا عبر كتاب تاريخ ولا عبر درس في حركات التحرر، بل من خلال جسد مشجع اختار أن يقف تسعين دقيقة كاملة في هيئة تمثال.
الجسد هنا لم يكن جسدا بيولوجيا، بل جسداً دالا؛ تحوّل إلى علامة، إلى ذاكرة متجسدة، إلى استعارة بصرية تختصر سيرة زعيم قُتل لأنه أراد أن تكون إفريقيا للسكان لا للشركات، وللشعوب لا للمناجم.
في المقابل، اشتغل “شعب الفايسبوك” على الصورة ذاتها، ولكن بمنطق آخر:
الذكاء الاصطناعي أعاد إنتاج الهيئة نفسها، الوقفة نفسها، الصرامة نفسها… لكن مع استبدال الدال المركزي:
لم يعد الجسد جسد لومومبا، بل جسد رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش، ومعه وُلد لقب ساخر: “مول البومبا”.
من الزعيم إلى العلامة التجارية
هنا نكون أمام تماثل سيميائي وتناقض دلالي في آن واحد:
لومومبا:
زعيم تحرر، رمز للوحدة الإفريقية، مات لأنه رفض أن تتحول الدولة إلى شركة.
أخنوش:
رجل أعمال، رئيس حكومة، يترأس إمبراطورية محروقات تحمل اسم “إفريقيا”.
الاسم وحده كافٍ لتوليد المفارقة:
لومومبا = إفريقيا كقضية.
أخنوش = إفريقيا كعلامة تجارية.
في علم السيميولوجيا، هذا يُسمى انزياح الدلالة:
الدال واحد (إفريقيا)، لكن المدلول انقلب من تحرر إلى تسعيرة.
البومبا كدال شعبي
في الدارجة المغربية، “البومبا” ليست مجرد محطة وقود، بل فضاء يومي للقلق:
ارتفاع الأسعار
العدّاد الذي يجري أسرع من السيارة
المواطن الذي يراقب الرقم لا الطريق
حين يطلق الفيسبوكيون لقب “مول البومبا”، فهو لا يسخر من الشخص بقدر ما:
يُسَيِّس اللغة
يُؤَنْسِن الاقتصاد
يحوّل الغلاء إلى نكتة دفاعية
هنا تشتغل السوسيولغويات:
اللغة الشعبية لا تعارض السلطة مباشرة، بل تفككها بالضحك.
وقفة التسعين دقيقة: جسد ضد جسد
وقفة المشجع الإفريقي 90 دقيقة ترمز إلى:
الصبر
الالتزام
التضحية
بينما الصورة الساخرة تعيد الوقفة نفسها ولكن بمعنى مقلوب:
وقفة ليست من أجل قضية
بل من أجل منتوج
ليس من أجل إفريقيا الشعوب
بل إفريقيا المحروقات
إنه تشابه شكلي يُخفي تعارضا قيمياً:
تمثال التحرر مقابل تمثال السوق.
الفكاهة كسياسة بديلة
ما فعله الفيسبوكيون ليس تهريجا، بل تفكير سياسي بلغة خفيفة.
حين تعجز السياسة عن مساءلة السلطة، تقوم الفكاهة بالمهمة:
تختصر الخطاب
تفضح التناقض
وتمنح المواطن لحظة تفوق رمزي
هكذا يصبح لومومبا، دون قصد، مرآة ساخرة للزمن النيوليبرالي:
زمن لم يعد يقتل الزعماء بالرصاص، بل يستبدلهم باللوغو.
لومومبا قتل لأنه قال: إفريقيا للأفارقة.
و”مول البومبا” يُختصر لأنه يقول، دون أن يقول: إفريقيا سوق.
وبين التمثالين، يقف المواطن…
لا تسعين دقيقة،
التعليقات مغلقة.