الانتفاضة
خرج علينا وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، بقرار “تاريخي” زلزل أركان المقاهي الشعبية قبل صالونات السياسة، حيث أعلن بصرامة لا تضاهيها إلا صرامة “مقدم الحومة” أن وزارته ستمنع ترشح الفاسدين.
نعم، هكذا دفعة واحدة! وكأننا استيقظنا فجأة في المدينة الفاضلة لأفلاطون، أو أن الوزارة قامت بـ “تحديث” لنظام التشغيل السياسي المغربي وحذفت ملفات “الانتفاع” تلقائياً.
تجديد الدماء.. أم تجديد الوجوه؟
المثير في هذا الإعلان ليس هو “محاربة الفساد” في حد ذاته، بل التوقيت والمنطق.
فالمواطن المغربي، الذي لديه ذاكرة فيل تجاه وعود الانتخابات، بدأ يتساءل بخبث: هل المقصود هو القضاء على الفساد فعلاً؟
أم أن الوزير يشعر بالملل من الوجوه “الفاسدة” القديمة التي لم تعد تبتكر في طرق “التنشيط” الميزانياتي؟
ربما يرى السيد لفتيت أن “الفاسد التقليدي” أصبح كلاسيكياً أكثر من اللازم؛ يسرق بنفس الطريقة، يكذب بنفس النبرة، ويختفي خلف نفس النظارات السوداء.
ربما حان الوقت لفتح الباب أمام “فاسدين بلمسة عصرية”، وجوه “فرش” (Fresh) تتقن استعمال الذكاء الاصطناعي في تبرير الصفقات العمومية، وتمارس “التملص” بروح رياضية وأناقة رقمية.
سوق الانتقالات السياسية
إعلان لفتيت يشبه إلى حد بعيد إعلانات شركات الهواتف التي تطالبك باستبدال هاتفك القديم بآخر جديد، ليس لأن القديم لا يعمل، بل لأن “السيستم” لم يعد يدعمه.
فالفاسد القديم أصبح “ثقيلاً” على ميزانية الدولة وسمعة المؤسسات، بينما “الفاسد الجديد” قد يأتي بأفكار إبداعية.. ربما يسرق “لايت” أو ينهب “بصمت إيجابي”.
ملاحظة جانبية: إذا تم منع كل من تحوم حوله شبهة فساد، فهل سنحتاج لتحويل مقرات الأحزاب إلى مراكز للتأمل واليوغا؟
وهل ستكفينا أوراق التصويت، أم أننا سنكتفي بوضع “لايك” لوزير الداخلية في فيسبوك؟
المعايير الجديدة: “نظيف.. إلى أن يثبت العكس”
يبدو أن الوزارة تريد أن تبدأ “صفحة بيضاء”، لكن المشكلة في المغرب ليست في الصفحة، بل في “القلم” الذي يكتب.
فمنع الوجوه المعروفة قد يعني ببساطة إفساح المجال لـ “الجيل الثاني” من الانتهازيين، أولئك الذين لم تطلهم يد المحاكم بعد، ليس لنزاهتهم، بل لأنهم لم يجدوا الفرصة بعد للتوقيع على “بون دو كوموند” واحد.
ختاماً، نشكر لفتيت على هذه الغيرة المفاجئة على صناديق الاقتراع.
لكن نرجو منه فقط أن يوضح لنا: هل الفاسدون الجدد سيأتون بضمان (Garantie)؟
أم أننا سنضطر لتغييرهم في الموسم القادم بمجرد أن تظهر عليهم أعراض “الانتفاخ المالي”؟
التعليقات مغلقة.