كرة القدم والهوية الوطنية: من فرح الانتصار إلى قوة التلاحم الداخلي

الانتفاضة // بقلم : حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان لشيشاوة

لم يعد نجاح كرة القدم في المغرب مجرد واقعة رياضية تُستهلك في لحظة فرح جماعي، بل أصبح ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل، لأنها تكشف، بشكل غير مباشر، عن الكيفية التي يمكن بها لمجتمع ما أن يصنع نجاحه حين تتلاقى الرؤية مع التنظيم، وحين يتحول العمل الجماعي إلى قيمة عملية لا مجرد شعار. فخلف النتائج التي حققتها المنتخبات الوطنية، توجد بنية اجتماعية وتنظيمية أعيد تشكيلها تدريجيًا، انطلاقًا من التكوين، ومرورًا بالبنيات التحتية، ووصولًا إلى ترسيخ منطق الاستمرارية، وهو ما يجعل كرة القدم اليوم تجربة تتجاوز بعدها الرياضي إلى بعد مجتمعي أوسع.
من منظور سوسيولوجي، تكمن أهمية هذه التجربة في كونها أعادت الاعتبار لفكرة “المشروع” داخل مجتمع اعتاد، في كثير من قطاعاته، على منطق التدبير الظرفي وردود الفعل. لقد أظهرت كرة القدم أن النجاح لا يُنتج بالصدفة، ولا يتحقق بالإرادة الخطابية وحدها، بل هو حصيلة تراكم منظم، واستثمار طويل النفس في الرأسمال البشري، وتوزيع واضح للأدوار، وربط النتائج بالمسؤوليات. هذه القاعدة، التي أثبتت نجاعتها في المجال الرياضي، يمكن أن تشكل مرجعًا ضمنيًا لإعادة التفكير في قطاعات أخرى تعاني من أعطاب بنيوية، كالتعليم أو الصحة أو السياسات الاجتماعية، حيث لا يكمن الخلل دائمًا في غياب الموارد، بقدر ما يكمن في غياب الرؤية المتماسكة.
وعلى المستوى الرمزي، لعبت كرة القدم دورًا بالغ الأهمية في إعادة إنتاج الثقة الجماعية. فقد وفرت للمغاربة لحظة نادرة من الاعتراف بالذات، ليس فقط عبر الانتصار، بل عبر الإحساس بأن هذا الانتصار “نتاجنا نحن”، وأنه لم يأت من فراغ. هذا الإحساس له وزن سوسيولوجي كبير، لأنه يساهم في إعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المواطن والمؤسسات، ويحد من الشعور بالعجز أو الاغتراب الذي يتغذى عادة من تكرار الإخفاقات وغياب النماذج الملهمة.
كما أن النجاح الكروي ساهم في خلق شكل من أشكال التلاحم الاجتماعي، حيث ذابت، ولو مؤقتًا، الفوارق الطبقية والمجالية واللغوية، واجتمع المغاربة حول رمز مشترك وفرح واحد. هذه اللحظة ليست بسيطة من منظور علم الاجتماع، لأنها تكشف عن حاجة المجتمع إلى رموز جامعة تعيد إنتاج الانتماء، وتمنح للهوية الوطنية مضمونًا حيًا يتجدد عبر الفعل والإنجاز، لا عبر الخطاب المجرد فقط. فالهوية، في معناها العميق، تُبنى حين يشعر الأفراد أنهم جزء من قصة جماعية ناجحة، لا حين يُطلب منهم فقط الإيمان بها.
وفي سياق التحديات الداخلية والخارجية التي يواجهها المغرب، تكتسي هذه الدينامية أهمية خاصة. فالمجتمعات لا تواجه الأزمات فقط بالأدوات الاقتصادية أو الأمنية، بل أيضًا بدرجة تماسكها الداخلي، وبقدرتها على تحويل النجاحات الجزئية إلى رأسمال اجتماعي يعزز الاستقرار والثقة. من هذا المنطلق، يصبح نجاح كرة القدم عاملًا من عوامل تقوية الجبهة الداخلية، ليس لأنه يُلهي عن المشكلات، بل لأنه يثبت أن التغيير ممكن حين تتوفر شروطه.
إن الرهان الأساسي اليوم هو ألا يُختزل هذا النجاح في بعده الاحتفالي، بل أن يُفهم كدرس مجتمعي قابل للتعميم. فحين تُنقل قيم التخطيط، والاستثمار في الإنسان، والعمل الجماعي، من المجال الرياضي إلى باقي مجالات الحياة العامة، يمكن عندها الحديث عن انتقال فعلي لعدوى النجاح. عندئذ فقط، تتحول كرة القدم من مجرد لعبة شعبية إلى قوة رمزية تسهم في بناء مجتمع أكثر ثقة في ذاته، وأكثر قدرة على مواجهة تحدياته، وأشد تماسكًا في لحظات الاختبار.

التعليقات مغلقة.