مكناس : من معامل النسيج إلى أرصفة التشرد

الانتفاضة // محمد عبيد

عاملات أفنين أعمارهن داخل المعمل، انتهى بهن المطاف يفترشن الكارطون، ويلتحفن المطر والبرد القارس، في مشهد إنساني صادم، لا يليق بمدينة ولا بحكومة ترفع شعارات العدالة الاجتماعية.
اعتصام أمام فندق المالك… مفارقة موجعة.
في مفارقة تختزل حجم الظلم، تخوض العاملات اعتصامهن منذ أكثر من سنة ونصف أمام أحد أشهر فنادق مكناس، المملوك سابقا حسب ما يروج لصاحب المعمل نفسه.
بين رفاهية الفندق ومعاناة العاملات، تتجسد هوة اجتماعية صارخة، وتتعالى أسئلة مؤلمة حول غياب الضمير والمحاسبة.

تؤكد العاملات أن أغلبهن اشتغلن لأكثر من ثلاثة عقود داخل المعمل، منذ سبعينيات القرن الماضي، بأجور هزيلة وظروف شاقة، قبل أن يفاجأن بالإغلاق والطرد الجماعي، دون تعويض، ولا تقاعد، ولا تغطية صحية.
الأدهى، حسب إفاداتهن، أن اقتطاعات الضمان الاجتماعي كانت تسحب من أجورهن لسنوات، دون أن يستفدن منها عند الحاجة.

سنة 2017 شكلت المنعطف الأخطر، حين توقفت الشركة عن العمل، وبدأت الاحتجاجات الأولى.بعد تفويت أصول المعمل لمؤسسة أخرى، كان بمثابة الضربة القاضية، حيث ضاعت الحقوق، وانقطعت الأجور، وترك العمال والعاملات في مواجهة الشارع، المرض، والجوع.
أغلب العاملات اليوم تتراوح أعمارهن بين 45 و 55 سنة، في مرحلة يفترض أن تكون مرحلة استقرار، لا صراع يومي مع البرد والمرض.
إحداهن كتبت بحرقة:
“أكتب وأنا تحت المطر، أتألم بصمت، فقط لأتمسك بالحياة من أجل أبنائي”
كلمات تختصر مأساة نساء حرمن من أبسط حقوق الكرامة.
بعد طرق كل الأبواب، وغياب أي تجاوب رسمي، لم يبق للعاملات سوى الشارع، ولافتة واحدة تختزل موقفهن:
“الموت ولا المذلة”
ليس شعارا عابرا، بل صرخة فئة أدركت أن صراعها لم يعد فقط من أجل الأجور، بل من أجل الاعتراف بإنسانيتها.
رغم حجم المأساة، يظل التدخل الرسمي غائبا، لا حلول ملموسة من السلطات الإقليمية، ولا مبادرات حاسمة من الوزارة الوصية، ولا ضغط فعلي من الجهات المعنية.
في المقابل، يتوسع التضامن الشعبي عبر مواقع التواصل، لكن التضامن وحده لا ينهي التشرد.
قضية عاملات “سيكوميك” ليست حالة معزولة، بل مرآة لوضعية هشاشة تعيشها فئات واسعة من الطبقة العاملة، خاصة النساء، في ظل ضعف المراقبة وتفلت بعض أرباب العمل من المحاسبة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح:
إلى متى سيستمر هذا النزيف الاجتماعي؟ ومن يتحمل مسؤولية إنصاف عاملات قضين أعمارهن في خدمة معمل تخلى عنهن؟

التعليقات مغلقة.