الانتفاضة // حميد قاسمي
مع كل سنةٍ جديدة، يُطرح السؤال ذاته، لا بوصفه فضولًا عابرًا، بل كجرحٍ أخلاقي مفتوح:
هل السنة الجديدة موعدٌ كونيٌّ يشمل الجميع، أم احتفالٌ طبقيٌّ لا يليق إلا بمن يملكون رغد العيش ورفاهية الحياة؟
السنة الجديدة، في جوهرها الزمني، لا تميّز بين غني وفقير؛ فهي تمرُّ على الأكواخ كما تمرُّ على القصور، وتدقُّ أبواب الجائع كما تطرق نوافذ المتخمين. غير أن المعنى، لا الزمن، هو ما يصنع الفارق. فالفقراء لا يستقبلون السنة الجديدة بالألعاب النارية، ولا بالحلويات الشهية… بل بالأرقام المتراكمة من الديون، وبأسئلة الغد الثقيلة، وبخوفٍ صامتٍ من استمرار القسوة ذاتها. أما الأغنياء، فيحتفلون بالزمن لأنه لا يهددهم، ويباركون السنة الجديدة لبعضهم البعض لأنها لا تفاجئهم.
قال جان جاك روسو إن الفقر لا يعني أن لا تملك شيئًا، بل أن تكون محاطًا بأشياء لا تستطيع امتلاكها. هكذا يدخل الفقير السنة الجديدة وهو محاصر بالوعود، محاط بالاحتفالات، لكنه خارج المعنى؛ يشاهد العدّ التنازلي كما يشاهد فيلمًا لا يُسمح له بدخول شاشته. الزمن عنده لا يُقاس بالساعات، بل بالانتظار، وبالقدرة على الصبر دون أن يتحول إلى يأس.
أما ألبير كامو، فكان يرى أن أكبر مأساة للإنسان ليست في عبث العالم، بل في اعتياده على الظلم. وهنا تكمن المفارقة: حين تصبح السنة الجديدة طقسًا استهلاكيًا، تفقد بعدها الإنساني، وتتحول إلى إعلانٍ طويلٍ عن اللامساواة. الفقير لا يحتاج سنة جديدة ليحلم، بل يحتاج واقعًا جديدًا ليصدق أن للحلم مكانًا.
السنة الجديدة، إذن، ليست سؤال تقويم، بل سؤال عدالة. ليست رقمًا يُضاف إلى العمر، بل ميزانًا أخلاقيًا يُقاس به ضمير المجتمع. إن كانت تعني الأغنياء وحدهم، فهي سنة ناقصة، وإن لم يشعر الفقير أنها تحمل له معنى، فهي سنة بلا روح.
قال محمود درويش إن العدالة هي أن لا تحتاج إلى الشفقة كي تعيش. وربما هذا هو الامتحان الحقيقي لكل سنة جديدة: هل تُولد وفي قلبها وعدٌ بالكرامة، أم تكتفي بتغيير الرقم وتترك الوجع كما هو؟
السنة الجديدة لا تكون جديدة حقًا إلا حين يشعر بها الفقير كما يشعر بها الغني؛ لا حين تُضاء الشوارع فقط، بل حين تُضاء الحياة نفسها. وحين يصبح الزمن أقل قسوة، وأكثر إنصافًا، آنذاك فقط يمكننا أن نقول: كل عام والإنسان بخير.
التعليقات مغلقة.