الانتفاضة // بقلم: حسن بنسعود // رئيس المركز المغربي لحقوق الانسان بشيشاوة
ليس من العبث أن يفرح الناس بسلامة أرضية ملاعبهم بعد تساقطات مطرية غزيرة، ولا خطأ في الإشادة بتوفرها على قنوات متطورة لصرف المياه، فذلك في حد ذاته مؤشر على تقدم تقني وتنظيمي يُحسب للمغرب، ودليل على قدرة الدولة ومؤسساتها على التخطيط المحكم والإنجاز وفق معايير عالية الجودة.
غير أن هذا الفرح، حين ينفصل عن سياقه الاجتماعي والإنساني، ويتزامن مع صمت ثقيل عن مآسٍ إنسانية أودت بحياة عشرات المواطنين بسبب هشاشة البنيات التحتية في مدن وأحياء مهمشة، يتحول إلى سؤال أخلاقي وتنموي عميق حول ترتيب الأولويات في السياسات العمومية.
إن الإشكال المطروح اليوم ليس في التطور الرياضي في حد ذاته، ولا في الاستثمار في البنية التحتية للملاعب، بل في حصر هذا النجاح داخل مجالات انتقائية، واعتباره إنجازًا مكتفيًا بذاته، بدل جعله نموذجًا يُعمَّم على باقي القطاعات المرتبطة مباشرة بحياة الإنسان وكرامته. فالنجاح الذي يُحقَّق في المجال الرياضي يثبت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن المشكلة ليست في نقص الإمكانيات ولا في ضعف الكفاءات، وإنما في اختيارات تنموية تُفضِّل المرئي والاستعراضي على الضروري والحياتي.
من منظور سوسيولوجي، تكشف هذه المفارقة عن استمرار منطق «مغرب السرعتين»، حيث يستفيد جزء من الفضاء الوطني من مشاريع عالية الجودة، محمية ومؤهلة، بينما يُترك جزء آخر لمواجهة المخاطر الطبيعية بوسائل بدائية أو منعدمة.
فالملاعب، بما تحمله من رمزية إعلامية وسياسية، تحظى بعناية خاصة لأنها تُنتج صورة الحداثة والنجاح، في حين تبقى شبكات الصرف الصحي، وأنظمة الوقاية من الفيضانات، والبنيات التحتية للأحياء الهشة خارج دائرة الاهتمام، لأنها لا تمنح نفس الرصيد الرمزي ولا نفس الأثر الدعائي.
ومن زاوية حقوقية، لا يمكن فصل هذا الواقع عن مسألة الحق في الحياة والحق في السلامة الجسدية، وهما حقان أساسيان تلتزم الدولة بحمايتهما دستوريا وقانونيا. فالتنمية، في بعدها الحقوقي، لا تُقاس بعدد الملاعب ولا بجودة العشب، بل بقدرة السياسات العمومية على حماية المواطنين من المخاطر المتوقعة، وعلى ضمان حد أدنى من الأمان في فضاءاتهم اليومية. وعندما تُنجَز بنية تحتية قادرة على حماية ملعب من الغرق، بينما تعجز المدينة عن حماية سكانها من الفيضانات، فإننا نكون أمام خلل واضح في مبدأ العدالة المجالية وفي المساواة أمام المرفق العمومي.
لقد جاء النموذج التنموي الجديد بخطاب يُعيد الإنسان إلى صدارة الاهتمام، ويجعل من العدالة المجالية والكرامة أساسًا لكل مشروع تنموي. غير أن هذا الخطاب يظل، في مثل هذه الوقائع، مطالبًا بالتحول من مستوى النوايا إلى مستوى الأثر الملموس. فالتنمية لا تكون جديدة بحداثة المصطلحات، بل بقدرتها على تفادي الموت المجاني، وعلى جعل البنيات التحتية للحياة أولوية لا تقل أهمية عن البنيات التحتية للفرجة.
إننا لسنا ضد التطور الرياضي، ولا ضد الفرح بالإنجازات، بل نعتبرها مصدر اعتزاز جماعي، ودليلًا على ما يمكن تحقيقه عندما تتوفر الرؤية والصرامة في التنفيذ. لكن ما نطالب به هو تعميم منطق هذا النجاح ليشمل مجال التنمية البشرية المستدامة، حتى لا يبقى التفوق حكرًا على فضاءات محددة، ولا تتحول الإنجازات إلى استثناءات تبرز فشل ما عداها. فكما يُخطط للملعب ليقاوم المطر حفاظًا على العشب، يجب أن تُخطط المدن لتحمي الإنسان حفاظًا على حياته.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في بناء ملاعب لا تغرق، بل في بناء سياسات عمومية لا تترك مواطنيها يغرقون. وليس في جودة الأرضيات، بل في صلابة الاختيارات التنموية. فحين تصبح حماية الإنسان معيار النجاح الأول، يمكن حينها فقط أن نفرح بالملاعب، دون أن يرافق فرحنا هذا الشعور الثقيل بأن حياة الناس كانت أقل أولوية من العشب الأخضر.
التعليقات مغلقة.