الانتفاضة // توفيق بوعشرين
بعد أن تجاهلت الحكومة، والأغلبية التي تمشي وراءها مغمضة العينين في مجلسي البرلمان، تحدي مجتمع الصحافيين وأغلبيته الكبيرة التي عبّرت عن رفضها لقانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي فُصِّل على مقاس جمعية .
وُلدت من أجل أن تُجهز على ما تبقى من نزرٍ قليل لحرية الإعلام والصحافة، عن طريق استعمال المجلس الذي صار غرفة عمليات لذبح الصحافيين ومطاردة أي نشاط إعلامي يخرج عن السطر المرسوم بعناية ودقة وحزم…
الصحافة لم تكن، منذ ولادتها الأولى، مصدر ارتياح ولا علبة لبعث رسائل الاطمئنان، كانت دائمًا مصدرًا للأسئلة التي تُزعج. لهذا قال الفيلسوف البريطاني برتراند راسل إن أهم علامة اكتشفها الإنسان في كل تاريخه هي علامة الاستفهام، التي لا تترك أي شيء أمامها دون أن تُسائله وتفحصه وتشك فيه وتختبر حقيقته…
الحكومة التي تخاف من الصحافة لا تخشى على الحقيقة، بل تخشى على الأكاذيب التي تسبح فيها. لهذا تبحث عن مجالس للهدم الذاتي، وتبحث عن كتائب تحمل بطائق الصحافيين والناشرين ليكونوا فرقها المتقدمة لاغتيال حرية الرأي والتعبير، وتقليل كلفة هذا الخراب الموعود، فقط لأنه سيتم باسم المحسوبين على مهنة وهي منهم براء…
الصحافي الذي يعمل عند السلطة، مباشرة أو بشكل غير مباشر، ليس صحافيًا، بل وسيط ناعم بين السلطة والجمهور، علبة رسائل لنقل الدعاية، لا تُزعج أحدًا ولا تبحث عن الحقيقة، بل تُجمّل الأكاذيب. يجب أن نُصارح (زملاءنا) ونضع أمامهم مرآة كبيرة ليروا أنفسهم فيها، ويراهم الجمهور على حقيقتهم. هذا جزء من مذكرة الدفاع عن حرية الإعلام والصحافة في البلاد اليوم وغدا .
• الدعم العمومي تحوّل من مساهمة دافعي الضرائب في استقلالية المؤسسة الصحفية، وتقوية نموذجها الاقتصادي الهش، وعدم وقوعها في مخالب الإعلانات المُسيَّسة للشركات الكبرى ، إلى ريع سياسي يجري ابتزاز المقاولات الصحفية بواسطته.
صار المال السياسي أداة لتفريغ الصحافة من روحها المهنية ووظيفتها النقدية.
ولهذا خرجت المعايير المهنية، ومستوى الانتشار والتأثير، واحترام أخلاقيات المهنة من شبكة الدعم، ودخل رقم المعاملات و ( السيرة الحسنة )، حتى إن كان المحتوى تافهًا ويتغذى على عالم الفضائح والتشهير ومسّ أعراض الناس.
• البطاقة المهنية تحوّلت من أداة لتسهيل مهام الصحافي في الميدان، وأداة من أدوات تنظيم القطاع وتحصينه من الدخلاء، إلى امتياز مشروط وأداة عقاب للخارجين عن السطر التحريري الذي وضعه (الأخ الأكبر).
• المجلس الوطني للصحافة تحوّل، أو تحوّر جينيًا، من مجلس ديمقراطي للتنظيم الذاتي بشرعية أخلاقية وأسس دستورية، إلى أداة بيروقراطية أوليغارشية مفصّلة على المقاس، لتلعب دور (السوط الصحافي) الذي سيجلد من بقي من أبناء المهنة ممسكًا بالجمر، يحاول الوفاء لجوهر المهنة.
أما أمّ الكوارث فهي التدخل في القضاء، وكتابة كلمات صغيرة إلى رموزه من قبل من أوكلت لهم مهمة التحكم السلطوي في المشهد الصحافي…
الآن، وقد مرّ القانون من المجلسين، وإذا لم يجري الطعن فيه أمام المحكمة الدستورية من قبل أحزاب المعارضة، فإن القانون سينشر في الجريدة الرسمية ليشكّل نهاية مسلسل بدأ إخراجه منذ سنوات، وها هو على أبواب العرض…
المطلوب من الرأي العام الصحافي، الذي تشكّل عقب فضيحة شريط غرفة العمليات التي كانت تذبح حميد المهداوي، أن يواصل الحركة والضغط والتظاهر والاحتجاج والترافع السلبي والإيجابي، من أجل عدم اكتمال مؤامرة الإجهاز على المشهد الصحافي المعطوب أصلًا وتجريب العرائض ..
أولًا: لا بدّ من مقاطعة انتخابات الصحافيين التي من المفروض أن تُجرى بعد خروج القانون ونشره في الجريدة الرسمية، لإشغال سبعة مقاعد في المجلس، مقاعد ستكون مجرد صفر على اليسار ما دامت الأغلبية ستميل للجمعية التي فُصِّل القانون من أجل تسليمها مفاتيح فيلا حي الرياض، للإجهاز على شيء اسمه الصحافة أو الإعلام البديل.
إن مقاطعة انتخابات المجلس من قبل الصحافيين ستجعل منه غرفة معطلة، بلا مصداقية ولا مشروعية أخلاقية للبث في قضايا المهنة وهمومها.
ثانيًا: لا بدّ للنقابة، وقد تخلّصت مؤقتًا من جزء من جسمها الميت ممثلًا في عضوين اتحاديين خرجا من الباب المخزي للعمل النقابي، أن تُحيي مجلس الأخلاقيات داخل النقابة، وتحث الصحافيين وعموم الجمهور على اللجوء إليه بدلًا عن مجلس غير وطني تحوّل إلى أداة لذبح المهنة.
ثالثًا: على النقابة الوطنية للصحافة والفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن تعتمدا على نفسيهما في تنظيم أحوال المهنة، وأن تُصدرا بطائق مهنية بديلة عن تلك التي يمنحها المجلس الوطني للصحافة بطريقة انتقائية وانتقامية، في انتظار إسقاط القانون الجديد الذي جاء للتحكم في أحوال مهنة صارت أمام مدفع الاستهداف.
رابعًا: لا بدّ من إعادة التفكير في طرق جديدة لإسقاط معايير صرف الدعم العمومي، والطعن القانوني والسياسي في المعايير التي سيوزَّع بها المال العام على من أسماهم الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، «فراقشية الصحافة»؛ أوزين الذي يخوض بشجاعة معركة إعلامية وسياسية في وجه( كارتيل ) التشهير والسبّ والقذف، وتسخير الإعلام لأهداف إجرامية من أجل القتل الرمزي لصحافيين وحقوقيين ومدونين وسياسيين ونقابيين…
يجب إشراك الأحزاب السياسية، والنقابات، والجمعيات الحقوقية، والمنظمات المهنية الدولية في هذه المعركة التي تستهدف فضح مخطط الإجهاز على ما بقي من صحافة في البلاد (بالقانون) وبالمال العام، مال دافعي الضرائب الذي تحوّل إلى وقود في خزانات آلات التشهير والمسخ والقذف.
إننا لسنا أمام كارثة، ولا حتى قريبين منها، إننا وسط الكارثة تماما .
التعليقات مغلقة.