الانتفاضة // إلهام أوكادير
في لحظة فارقة، كان ينتظر فيها الجسم الصحافي المغربي إشارة إيجابية، تُنذر بتوجّه فعلي نحو تعزيز التنظيم الذاتي للمهنة وترسيخ الثقة بين الفاعلين، فجّر موقف وزير الثقافة والتواصل، “المهدي بنسعيد”، موجة واسعة من الإستياء داخل الوسط الإعلامي، على إثر رفضه رفقة الأغلبية داخل لجنة مجلس المستشارين، كل التعديلات المقترحة على مشروع القانون، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وهي الخطوة التي لم تخرج قرائتها لدى الكثيرون، عن كونها تعبير صريح عن “منطق فرض الأمر الواقع”، أكثر مما هي رغبة حكومية في إصلاح هادئ ومتوازن، يراعي حساسية القطاع ورهاناته بل وأهميته.
وتبعاً لهذا الوضع المتأزم والمحتقن، لم تتردد الهيئات النقابية والمهنية في التعبير عن غضبها المشروع، حيث اعتبرت أن ما حدث، لا يعكس بأي شكل من الأشكال روح الحوار التي تتغنى بها الجهة الواصية، ولا يحترم المؤسسة التشريعية، خاصة وأن التعديلات التي تم تجاهلها، جاءت إستجابة لمطالب مهنية واسعة، لطالما تم التعبير عنها، وتوصيات جادة صادرة عن مؤسسات دستورية.
كما لم تخفي هذه الهيئات موقفها مما تمت المصادقة عليه بخصوص القانون المنظم في المرحلة الراهنة، حيث اعتبرت أن تمرير القانون بصيغته الحالية، لا يمس فقط الشكل، بل يطعن في جوهر فكرة التنظيم الذاتي للصحافة، المبني على أسس الاستقلالية والانتخاب والتعددية، ويهدد بتحويل المجلس الوطني للصحافة إلى جهاز أقرب إلى هيئة وصاية، منه إلى مؤسسة مهنية مستقلة، وهو ما يضرب في العمق أحد أهم المبادئ التي يرتكز عليها هذا التنظيم، ناهيك عن ما ينمُّ عنه ذلك من تضييق خناقٍ يتربّص بالعمل الصحفي والإعلامي لمهنيي القطاع.
الأكثر من ذلك، حذّر مهنيون من أن النص المذكور، إذا ما أُقرّ دون تعديل، فإنه قد يعيد لا محالة رسم موازين القوة داخل القطاع بطريقة غير صحية، عبر تقليص حضور الصحافيين داخل المجلس، مقابل توسيع تأثير أطراف اقتصادية وإدارية، وهو ما قد يضرب جوهر حرية التعبير ويضعف صوت المهنة داخل مؤسستها التمثيلية.
كما لم تُخفِ مؤسسات دستورية ملاحظاتها، وفي مقدمتها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي نبّهت إلى ضرورة ملاءمة النص مع الدستور، والمعايير الدولية المرتبطة بحماية حرية الصحافة، لكي يتسم هذا التنظيم بالمشروعية والمصداقية.
كما أن مخاوف المهنيين لم ترتبط بالشق الحقوقي والتنظيمي لقطاع الصحافة والنشر فقط، بل امتدت أيضًا إلى الوضع الاقتصادي الهش للمقاولات الإعلامية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، وذلك بالنظر للظروف المزرية والمتدهورة التي لطالما تخبطوا بها، حيث رأى نقابيون في هذا الصدد، أن القانون وبصيغته الحالية، لن يزيد الطين إلا بلة، فبدل أن يقدم حلولًا عملية لدعم المقاولات الصحافية وتمكينها من شروط البقاء والمنافسة في سوق يعيش تحولات تكنولوجية ومالية عميقة، شدّ الحبل حول رقبتها أكثر ممّا كان عليه.
إذن وأمام هذا الوضع المطروح، يبدو جليا أنّ المشهد يتجه نحو مرحلة توتّر مفتوح، خاصة بعدما أعلنت الهيئات المهنية اعتزامها إطلاق برنامج احتجاجي تصاعدي، بيرتقب أن تصاحبها تحركات ترافعية على المستوى الوطني والدولي، دفاعًا – كما تقول – عن إستقلالية المجلس الوطني للصحافة وكرامة المهنة.
فهذا التحرك المرتقب، وما أدى إقراره من مشاعر غضب وسخط على الجهة المعنية، التي لم تسلك مسطرة الحوار والتعديل كما كان متوقعًا، قد يجعل الحكومة من جديد أمام اختبار حقيقي، لن تستطيع معه وصف مناصريه بالمتمردين أو العاصين، كيف ذلك وهم نخبة المجتمعات، وهم أصحاب الأقلام والكلمات، فكيف لها أن تتعامل مع هذا الوضع المقلق الذي لا يزيده عنادها سوى تأزما؟
في النهاية، ما يجري اليوم في فصول هذا الملف المعقد، لا يتعلق فقط بنص قانوني أو خلاف إداري عابر، بل بإشكالية كبرى تهمّ مستقبل الإعلام في المغرب، وحدود تدخل الحكومة في مؤسسة يفترض أن تقوم على التنظيم الذاتي، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى صحافة قوية، مستقلة، مسؤولة، وقادرة على أداء دورها الديمقراطي دون ضغوط أو وصاية.
التعليقات مغلقة.