مجلس العمدة المنصوري: حين تتوفر كل الظروف وتغيب النتائج، أنت في مراكش

الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة

منذ الأسابيع الأولى لتنصيب فاطمة الزهراء المنصوري عمدة لمدينة مراكش، انطلق تسويق سياسي وإعلامي قوي لمرحلة وصفت آنذاك بالاستثنائية، العنوان العريض كان: “منتدى تشاركي لإعداد برنامج عمل الجماعة 2022–2027”.

المنتدى انعقد فعلا، أشرف عليه نواب العمدة، وشاركت فيه مكاتب دراسات وأساتذة جامعيون، جمعيات، مؤسسات، منتخبون ومتتبعون للشأن المحلي، قدمت خلاله تشخيصات مفصلة لمشاكل المدينة، واقترحت حلول ومشاريع وبدائل قيل إنها كفيلة بإحداث نقلة نوعية في تدبير الشأن المحلي.

هذه العملية، بطبيعة الحال، كلفت المجلس مبالغ مالية مهمة، وتم تسويقها على أنها إنجاز في حد ذاتها، بل جرى الترويج لانتهاء إعداد برنامج عمل الجماعة في وقت قياسي، قبل مرور سنة واحدة على انتخاب المجلس، غير أن السؤال الجوهري لم يكن يوما، فهل أنجزت الدراسات؟ بل، هل نفذت في وقتها؟.

لاحقا، جرى الحديث، حتى داخل أوساط مناضلي حزب الأصالة والمعاصرة، عن تمكن العمدة من جلب ميزانية ضخمة لتنزيل المشاريع، بلغت حوالي 1524 مليار سنتيم، أي أضعاف الميزانية التي خُصصت لمشروع “الحاضرة المتجددة” الذي لم يتجاوز سقفه الإجمالي 600 مليون درهم، رقم ضخم، يضع هذا المجلس في موقع غير مسبوق في تاريخ تدبير مدينة مراكش، ويفترض منطقا أن ينعكس مباشرة على أرض الواقع.

لكن المفارقة الصادمة أن النتائج لا تعكس لا حجم الميزانيات، ولا كثافة الدراسات، ولا قوة السياق السياسي.

 

فمجلس المنصوري ليس مجلسا عاديا، لديه جميع عوامل و ظروف النجاح، العمدة نفسها وزيرة للتعمير، شريكة في الحكومة، وأمينة عامة لحزب الأصالة والمعاصرة، الحزب يتوفر على الأغلبية داخل المجلس، ولا يواجه معارضة حقيقية، ثلاث مقاطعات كبرى تسيرها قيادات من الحزب نفسه، الجماعات المحيطة بمراكش أغلبها بيد “الجرار”، مجلس الجهة يترأسه القيادي سمير كودار، مجلس العمالة من الحزب نفسه، والولاة المتعاقبون على المدينة، من قسي لحلو إلى الوالي الحالي، أصدقاء الوزيرة، وصفوا جميعا بأنهم متعاونون مع العمدة.

بل إن تدبير المجلس يتمركز عمليًا في دائرة ضيقة: مديرة الديوان خديجة الطالبي، الحاضرة ميدانيا والمؤثرة في كل كبيرة وصغيرة، النائب الأول محمد الإدريسي المفوض له ملف الأشغال، نائب التعمير حنيش، نائب المداخيل أشرف، الكاتب ونائبته… الجميع من الحزب نفسه.، حتى القطاعات التي تسند شكليا لأحزاب أخرى، كقطاع الممتلكات والأسواق، تبدو عمليًا في وضع انتظار سياسي لاغير.

القرارات تتخذ بالأغلبية المطلقة، والسيولة – حسب تصريحات العمدة نفسها سنة 2023 – متوفرة، أمام هذا المعطى، يصبح السؤال محرجا: أين هو الخلل؟.

رغم توفر كل هذه الإمكانيات والظروف “المثالية”، لم يتحقق، على أرض الواقع، سوى جزء ضئيل من برنامج عمل الجماعة، لا يتجاوز – وفق ملاحظات ميدانية – 20 في المئة.

الأشغال تتأخر، المشاريع  ترحل، والمدينة تدخل كل استحقاق كبير في سباق مع الزمن.

الأدهى أن منطق التدبير يبدو قائما على الارتجال ورد الفعل بدل التخطيط الاستباقي، نعلم موعد مؤتمر البنك الدولي، لكن الأشغال تطلق في آخر لحظة وتنجز على عجل، نعلم أن المغرب منظم لكأس إفريقيا، لكن تنزيل المشاريع يتأخر إلى أن نجد أنفسنا في وضع مرتبك، بل كيف يعقل أن تفتح أوراش تهيئة كبرى في الوقت نفسه وبشكل عشوائي: طريق فاس، طريق آسفي، الحي الصناعي، شارع الأمير مولاي عبد الله، شارع علال الفاسي، شارع محمد الخامس، و ساحة جامع الفنا؟ دون تنسيق زمني واضح، ودون إنهاء محور قبل الانتقال إلى آخر، أم أن الموضوع يتعلق بالانتخابات وعند حلول الموعد تبدأ الأشغال؟.

هنا يطرح سؤال جوهري: أين هي مكاتب الدراسات؟ أين مهندسو المجلس؟ أين لجان تتبع الأشغال؟ وأين دور السلطة المحلية؟ خاصة وأن المدينة عرفت في الأشهر الأخيرة تغييرات متتالية على مستوى الولاة والكتاب العامين، ما زعزع استقرار القرار الإداري وأثر سلبا على تتبع الأوراش.

حتى مشاريع رمزية، من قبيل تهيئة ساحة جامع الفنا، لم تسلم من التعثر والتأخير والارتجالية في الإنجاز، وهو ما لا يليق بمكانة الساحة ولا بتاريخ المدينة.

اليوم، وبعد مرور جزء مهم من الولاية، يفرض الواقع أسئلة لا يمكن الهروب منها: هل نجح مجلس فاطمة الزهراء المنصوري في تحقيق انتظارات ساكنة مراكش؟ .

هل ارتقت المدينة إلى مستوى تطلعات الملك والمراكشيين؟ .

هل حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة “بنت الباشا”، قادر فعلا على إحداث تحول في التدبير المحلي؟ .

وهل نحن نسير بثبات نحو 2030، أم نراكم التأخر ونراهن على حلول اللحظة الأخيرة؟.

حين تتوفر كل الشروط السياسية والمالية والمؤسساتية، وتبقى النتائج دون المستوى، فإن الخلل لا يمكن تبريره بالظروف أو العراقيل، الخلل هنا أعمق، ويمس منطق التدبير نفسه، والانتقال من كثرة الكلام والدراسات التي ترهق ميزانية المجلس إلى فعل ميداني منظم، منسجم، ومسؤول.

يتبع…

التعليقات مغلقة.