الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
سيكون المواطن المغربي الذي يتصارع مع الزمان والمكان والقوت وللعيش الكريم والعمل والبطالة والكر والفر مع القفة اليومية وغلاء الأسعار والكراء والماء والكهرباء والفواتير الغالية، وغياب أي أفق تشغيلي، وانسداد المسعى الحكومي في توفير الرفاهية والسعادة للشعب في الوقت الذي وفرت ذلك للحكومة وحوارييها ومن يدور في فلكها، سيكون المواطن الغلبان في الآن نفسه معرضًا للضجيج والزعيق والنعيق ممن استُلبت عقولهم بما يسمى بالكرة الملعونة والتي حاولت أن تفرق البلاد والعباد، كل يغني على ليلاه – عفوًا – يغني على فريقه في أفق سلخ آخر ما تبقى من هوية هذا الشعب الذي لا يجد سكان الجبال فيه حطب التدفئة ولا يجد الفقراء والمحتاجون ثمن وصفة الدواء ولا يجد المهمشون في المغرب العميق الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
يتم تنظيم كأس إفريقيا يجمع الدول الإفريقية على كأس لو وُزعت أموالها لكفت المغرب مؤونته لسنوات عجاف.
لكن لأن في المغرب يتم بناء التيران قبل الإنسان، ويتم المراهنة على جعل المغربي والمغربية آلة لجني الأموال والأرباح في إطار رأسمالي متوحش لا يقيم للإنسان وزنًا.
تم بناء الملاعب على حساب قوت المغاربة وتم بناء الفنادق لإيواء المنتخبات على حساب المغاربة وتم توفير كل أساليب الرفاهية للمنتخبات حتى تمر التظاهرة في جو جيد، لكن لم يتم توفير الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لمغاربة الفوسفاط وجوج بحورة والفقير عايش عيشة مقهورة للأسف الشديد.
لا زال سكان الحوز يفترشون الأرض ويتلحفون السماء.
وسقطت عمارتان في فاس بدون أن يتم تعويض الضحايا.
ووقعت فاجعة آسفي بدون أن يكون للدولة تدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
ووقع ووقع ووقع لكن بدون أن يجد المغربي والمغربية استجابة فورية لمحنه وممتحناته.
وإلا فلماذا لا يستطيع المغربي مثلًا، إن سلمنا أن كرة القدم نافعة للبلاد والعباد وهي فقط أكذوبة استعمارية جاءت لتُلهي الشعوب عن أولوياتها، وتخديرها بأفيون الشعوب، لماذا لا يستطيع المغربي والمغربية الذهاب للتيران فابور والحصول على التيكيت فابور والتنقل فابور والحصول على أدوات التشجيع فابور من تونيات وكاسكيطات ولوازم أخرى؟
مادامت التظاهرة تقام في بلده وبين أهله وذويه وهو أهل للحصول على كل الامتيازات التي من الممكن أن يحصل عليها واحد براني.
لماذا لا يستطيع المغرب الذي يتوفر على خيرات حسان أن يوفر ولو جزءًا من النعيم المقيم لمواطنيه الذين لا يزالون يكتوون بنار الغلاء الفاحش والازدحام المروري وحوادث السير والفقر والخصاص والحاجة والعوز وغير ذلك من المدلهمات التي حولت المغربي والمغربية إلى فأر للتجربة لا يستطيع أن يقول لا.
ففي خضم العرس الكروي الإفريقي الذي تحتضنه بلادنا ؟؟؟ زعما من عند أنفسهم . حيث أنظار العالم تتجه صوب الملاعب والجماهير، صوب الألوان والأهازيج، تسللت مشاهد جانبية صنعت تساؤلات أكثر مما منحت أجوبة.
من بين هذه المشاهد، تلك التي استُقدِم فيها بعض من يُطلق عليهم مؤثرون، من بلدان متفرقة، بزعم إعطاء بُعد عالمي للتظاهرة، فوجدنا أنفسنا أمام مفارقة وجودية تثير السخرية وتغري بالتأمل العميق…
مثلًا: رجل يركض خلف عجلة، يلهث وسط الزحام، كأن المدينة ملعب بلا قواعد، والعقل مسرح عبثي بلا ستارة.
ما الذي يُراد أن يُفهم؟
وما الرسالة التي تنبع من مشهد كهذا؟
سؤال يتجاوز المظهر ليخترق جدار المعنى…!
حين يُغيب المعنى، تظهر البهرجة كبديل خادع، حين يُقصى المحتوى، يُستدعى الغريب فقط لأنه صاخب أو غريب، لا لأنه يضيف.
آلاف من الشباب المحليين يملكون ما لا يُحصى من العمق الثقافي، من الإبداع الحقيقي، من البصيرة الفنية، لكن يجري إقصاؤهم لصالح فراغ يركض…
الحدث الكروي، حين ينفصل عن رمزيته، يتحول إلى صورة مشوشة، والاحتفاء يُمسخ حين يُختزل في لهاث خلف عجلة. العجلة لا تدور هنا كرمز للحياة، بل كدوران في الفراغ، كعبث لا يُنتج سوى الدهشة الحزينة…
غاستون باشلار كتب ذات تأمل: “كل خيال غير مسنود بمعرفة، يتحول إلى وهم”، وهنا نجد أنفسنا أمام وهم ترويجي لا يضيف للوعي الجمعي، بل يسلب منه احترامه.
نحن أمام ظاهرة تستحق أن تُقارب من زاوية فلسفية: من يقرر من هو المؤثر؟
هل الشهرة وحدها كافية، ولو كانت قائمة على اللاشيء؟
هل أصبحنا نحتفي بمن لا يقول شيئًا فقط لأنه يملأ الصورة؟
الظاهر أن البهرجة تغلب المعنى حين لا يوجد رقيب للجمال الحقيقي، وحين تُختزل الثقافة في زيف الاستعراض، فإننا نكون قد أخلفنا الموعد مع اللحظة التي كان يمكن أن نضيء بها وجه الوطن…
كل مشهد يُبث للعالم يحمل في طياته رسالة غير منطوقة، قد يرى الآخرون في الركض خلف عجلة رمزًا غريبًا للحدث بأكمله، صورة قد تلخص، دون قصد، رؤيتنا نحن لأنفسنا، لا كما نحن، بل كما نسمح أن نمثل…
في العمق، لا يتعلق الأمر بفيديو تافه، بل بمنظومة كاملة تعيد تشكيل معنى التمثيل الثقافي. ومتى ما غاب المعنى عن الصورة، صار الظل أكبر من الجسد، وصار الحدث باهتًا مهما كانت أضواؤه…
الاحتفالات العظيمة لا تكتمل باللافتات ولا بالوجوه المصطنعة، بل بأولئك الذين يحملون جوهر هذا الوطن، في صمتهم، في محتواهم، في نظرتهم النبيلة لما يجب أن يكون عليه المشهد.
هنا فقط، يمكن أن نفهم أن الترويج الثقافي الحقيقي لا يُعتمد عليه من بهرجة شاب من دولة أخرى يركض كمجنون خلف عجلة، بل يُبنى من الداخل، من وجوه تعرف تراب هذا البلد، تعرف لغته الصامتة، وتعرف كيف ترفعه دون أن تُلوث معناه.
لقد تحول الحدث إلى بهرجة وزواق ونفاق وشقاق وأضواء وألوان تشع من ملعب أقيم بملايين الدولارات فقط من أجل أن نوسق لشهر من الكرة ويعود الشعب المغربي بعد ذلك إلى الروتين اليومي.
يعود إلى الفقر والحاجة والازدحام في الطوبيس وغياب وسائل النقل وغلاء المؤونة وصاروخية القفة وغيرها من الإحن التي وجد المغربي نفسه وجهًا لوجه معها.
أما ثاني كوارث هذا الحدث فهو ما أثارته الحافلات المخصّصة لنقل المنتخبات الإفريقية المشاركة في المنافسات القارية موجة واسعة من الانتقادات والسخرية، بعدما ظهرت بتصاميم وملصقات بدائية لا تليق بحدث كروي كبير يفترض أن يعكس صورة القارة ومستوى تنظيمها.
فبدل الاعتماد على هوية بصرية موحّدة، وألوان رسمية مدروسة، وشعارات احترافية تُبرز رمزية كل منتخب وثقافته الوطنية، ظهرت الحافلات وكأنها “لوحة عشوائية”، كُتبت عليها أسماء الدول بطريقة بسيطة ودون ذوق فني أو تصور جمالي، الأمر الذي أعطى انطباعًا بأن العمل تم على عجل ودون أدنى حس احترافي.
هذا الوضع أعاد إلى الواجهة تجارب تنظيمية ناجحة في بطولات سابقة، وعلى رأسها كأس العرب ومونديال قطر، حيث كانت الحافلات جزءًا من الهوية البصرية العامة للبطولة:
– تصميم موحد احترافي يعكس شخصية البطولة.
– احترام معايير الجودة الفنية والبصرية.
– اعتماد خطط تسويقية وإبداعية تُحوّل الحافلات إلى واجهة حضارية ورسالة بصرية راقية.
اليوم، ومع تطور الصناعة الرياضية عالميًا، لم تعد هذه التفاصيل شكلية؛ بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في صورة التنظيم، وجزءًا من العلامة البصرية لكل بطولة. لذلك يطرح الشارع الرياضي والمتابعون سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تتم الاستفادة من التجارب الناجحة بدل تقديم تصاميم تضع البطولة في موقف محرج دوليًا؟
إن القارة الإفريقية غنية بالإبداع الفني، وبها آلاف المصممين الموهوبين والقادرين على تقديم أعمال عالمية المستوى، فقط يلزم إرادة تنظيمية واضحة، ورؤية احترافية تُدرك أن التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق الكبير.
بقي أن نشير إلى أننا لسنا عدميين أو عكسيين أو سوداويين، حيث لو تم تشريح قلوبنا لتبيّن أننا ملكيون ووطنيون أكثر ممن يدّعون الوطنية ولا نزايد على أحد في ذلك، ومستعدون للدفاع عن الثوابت الوطنية بالغالي والنفيس بالدم وبالروح، ولكن لسنا جلايجية نسوق الوهم ونبيع القرد ونضحك على من اشتراه، بل نقول الحقيقة التي يتهرب منها أغلب من يدّعون الوطنية زورًا، وهم لو توفرت لهم أدنى فرصة لمغادرة الوطن لن يترددوا.
ولكن عمى الجوقة وتبلحيس العواطف والبحث عن البزولة من خلال الوطن والوطنية يجعل العديد منا ينساق وراء التطبيل والتمجيد حتى بدون دليل ولا برهان ساطع.
لا يُفهم أننا ضد تقدم بلدنا وتطوره، بل نحن في الصفوف الأولى لهذا الغرض، لكن ليس على حساب الأولويات.
التعليم والصحة والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
أما كرة القدم فهي مجرد لعبة ولن تُغني الشعوب شيئًا.
والدليل: اسألوا البلدان التي نظمت تظاهرات عالمية ككأس العالم مثلًا، ماذا تحقق فيها؟
لا شيء.
لا زال الفقر يعشش فيها إلى حدود كتابة هذه السطور.
إنها أفيون الشعوب ليس إلا.
والأفيون لا يأتي بخير على الإطلاق.
أما أولئك اللواتي تركن بيوتهن واتجهن إلى الرباط من أجل الماتش، فلا أدري بماذا يشعرن لما تركن منازلهن وأسرهن وذهبن يستبِقن الرجال ويزاحمنهم في كل شيء حتى في التيران؟
أما أولئك الذين اجتمعت عليهم صلاة المغرب وصلاة العشاء إن كانوا يصلون طبعًا، فبماذا تتحسّون وأنتم تُضيّعون فرائض رب العالمين التي سيسألكم عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وكل أفيون وأنتم…
التعليقات مغلقة.