الانتفاضة // ميمونة الحاج داهي
ستون مواطنا ماتوا في أيام قليلة، ثم مشى البلد كأن شيئا لم ينكسر فيه.
جدار يسقط داخل مدرسة يقتل الحارس و مبنيان ينهاران في فاس يدفنان 22 مواطن ومياه تفعل في آسفي ما اعتادت فعله منذ سنوات و هذه المرة أغرقت 37 إنسان. الوقائع نعرفها جميعا نحفظها و الأدهى أننا نتوقعها و ما لا أفهمه أو لعلي لم أعد أريد فهمه هو هذا البرود الذي يلي الموت.
لا أسأل عن المطر ولا عن الجدار ولا حتى عن البنايات سؤالي بكل بساطته الغارقة في الحسرة هو لماذا لم تُعلَن آسفي منطقة منكوبة؟
في الدول التي تحترم نفسها إعلان منطقة منكوبة لحظة اعتراف قبل أن يكون قرارا.
اعتراف بأن شيئا فشل وأن الدولة لم تحمِ الشعب كما ينبغي…
و عندنا الاعتراف أكبر من الخطيئة لأن النية ليس فيها توبة عن إعادة الخطأ بل هناك إصرار على التشبث به و إدارته بدل مواجهته.
لذلك لم يُعلَن شيء، و الفاجعة في نظرهم يمكن تطويقها بالبلاغات لا عين شافت ولا قلب وجع..
آسفي لم تكن يوما مدينة مفاجآت خطر الفيضانات معروف ومسارات المياه معروفة والهشاشة جزء من واقعها منذ زمن.
ومع ذلك، حين وقع ما وقع، جرى التعامل معه كحادث عابر، تبسيط الحدث و نسبه للقدر، لأن الاعتراف بثقله كان سيجرّ ما لا ترغب السلطة في تحمله مساءلة حقيقية مسؤوليات واضحة وربما غضبا لا يمكن ضبطه بسهولة.
الموجع أكثر أن البلد لم يتوقف فيه شيء “الموتى ستين و المندبة ما كايناش”..
لم نشهد لحظة صمت حقيقية ولا ارتباكا سياسيا، ولا شعورا بأن ما حدث يستوجب مراجعة قاسية للذات.
بدل ذلك، فتح نقاش آخر ،أسرع، أريح، وأقل كلفة: صراع كلامي عنوانه ( فراقشية الصحافة و احنا ما كنخافوش من الصحافة) يدور حول علاقة الحكومة والمعارضة بالصحافة. وكأن السياسة وَجدت في هذا الجدل ملجأً من مواجهة واقع ثقيل.
أنا لا أستخف بقضية الصحافة ولا بحرية التعبير.
لكن ترتيب الأولويات هنا كان فاضحا ، فحين يموت هذا العدد من الناس، يصبح أي نقاش آخر مؤجلا أخلاقيا.
ما حدث هو العكس أُزيحت النكبات إلى الهامش وتقدمت المعركة الخطابية إلى الواجهة من تنشيط الثنائي كراط و فرقاش.
يا ليتها كانت مؤامرة إنما هي شيء أخطر: اعتياد.
اعتياد أن يموت الناس ثم نبحث بسرعة عن موضوع آخر..اعتياد أن تُدار الكوارث بالكلام.
واعتياد أن يظل السؤال الحقيقي معلقا، لأنه مزعج أكثر مما يحتمل الوضع.
الحرقة هنا ليست حزنا عابرا هي إحساس بأن هذا البلد يتألم بصمت، بينما سياسته تواصل الكلام بثقة مفرطة.
إحساس بأن حياة الناس لم تعد كافية لفرض ارتباك، ولا حتى لإعلان منطقة منكوبة.
كفارة ستون قتيلا ليست تعويضات ولا لجانا ولا سجالات.
كفارتهم أن نملك الشجاعة لنسأل، دون مواربة لماذا لم تُعلَن آسفي منطقة منكوبة؟
ومتى قررنا أن نعتبر الموت أمرا عاديا يمكن تجاوزه؟
اعتبروني عدمية ذات نظرة سوداوية أو غير ذلك من الأوصاف لكن لن يمنع ذلك من بقاء هذا البلد ينزف بهدوء..وسنبقى، كل مرة، نكتب بعد الفاجعة…
وكأننا نعتذر لها بدل أن نمنع تكرارها..
الصورة أدناه لطفلين من شهود كارثة الفيضانات؛ غَرِقَت أمام أعينهما أمهما وأبوهما وأختهما الرضيعة، ويستحقان أن يكونا مكفولي الأمة…
فهذا أقل اعتذار ممكن عن المأساة يضمن لهما حياة فيها بعض الكرامة..
التعليقات مغلقة.