ميداوي يكشف أعطاب منظومة التعليم العالي: أوراش معلّقة وهدر لسنوات الإصلاح

الانتفاضة // نور الهدى العيساوي

أثار وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، “عز الدين ميداوي”، نقاشاً واسعاً بعد مداخلته في مجلس المستشارين، حين قدّم تشخيصاً مباشراً لواقع التعليم العالي، منتقداً غياب الاستمرارية في السياسات العمومية، ومعتبراً أنه من الأسباب الرئيسية وراء تعثر عدد كبير من البرامج والمشاريع التي كانت من المفترض أن تُحدث تحولاً حقيقياً داخل الجامعة المغربية. ما قاله الوزير لم يكن مجرد تعليق ظرفي، بل كان قراءة لسنوات طويلة من الاضطراب المؤسساتي الذي جعل ورش إصلاح التعليم العالي يتحرك خطوة ويتراجع خطوات.

وأبرز ما توقف عنده الوزير هو أن الأوراش الكبيرة التي يتم الاشتغال عليها اليوم ليست وليدة المرحلة الحالية، بل تعود إلى سنة 2009، السنة التي انطلق فيها البرنامج الاستعجالي للتربية والتكوين أمام جلالة الملك بمدينة أكادير. هذا البرنامج الذي تم الترويج له حينها باعتباره نقطة تحول كبرى، رُبط باسم أحمد اخشيشن في حكومة عباس الفاسي، وكان ينتظر منه أن يضع الجامعة المغربية على مسار جديد من التحديث والتطوير. لكن السنوات التي تلت ذلك لم تشهد استكمال تلك المشاريع كما كان مخططاً لها، وهو ما ترك القطاع في حالة انتظار طويلة أهدرت فرصاً كان يمكن أن تغيّر وجه المنظومة الجامعية.

يشير ميداوي إلى أن توقف تنفيذ البرامج، أو تغيير توجهاتها مع كل حكومة، خلق حالة من “القطائع” التي جعلت القطاع يعيش زمناً ضائعاً لا يمكن استرجاعه. فحين يتوقف مشروع جامعي لسنوات، لا تكون الخسارة مرتبطة فقط بالبنية التحتية، بل تمتد إلى جودة التكوين، وتذبذب التخطيط البيداغوجي، وتراجع قدرات البحث العلمي، بل وتراجع ثقة المجتمع في قدرة الجامعة على أداء دورها في التنمية. وهذا الهدر الزمني، كما يصفه الوزير، جعل المغرب يخسر إمكانات كان يمكن أن تضعه في موقع أفضل بكثير مما هو عليه اليوم.

وتقوم المقاربة الحكومية الحالية، وفق تصريحاته، على مراجعة شاملة لما تركته الحكومات السابقة. فكل مشروع صالح وفعّال يتم الإبقاء عليه، وكل ما يعاني من ضعف يتم إصلاحه، وكل ما توقفت أشغاله يُعاد إحياؤه. لكن هذه المقاربة، مهما كانت براغماتية، تكشف أيضاً أن الدولة ما تزال تدفع ثمن غياب استراتيجية ثابتة تمتد على مدى زمني طويل، وأن جزءاً من الجهد الحالي ليس موجهاً نحو تطوير جديد بقدر ما هو محاولة لتعويض ما لم يُنجز في الماضي.

ومن بين أهم ما كشف عنه ميداوي تأكيده أن الجامعة المغربية كانت ستكون في وضع مغاير تماماً لو تم احترام البرامج التي جرت المصادقة عليها أمام جلالة الملك، ولو تم تنفيذ التعاقدات التي التزمت بها الجهات المعنية آنذاك. فهذه البرامج، لو اكتملت، كانت ستؤسس بنية جامعية حديثة، وتُحسن قدرات المؤسسات، وتوفر ظروفاً أفضل للبحث العلمي، وتساهم في الرفع من مستوى التكوين. وهذا الاعتراف يحمل في طياته إقراراً بأن التعثر لم يكن تقنياً أو مالياً فقط، بل كان مؤسساتياً يرتبط بطبيعة تدبير السياسات العمومية ذاتها.

إن ما قاله الوزير يعيد طرح سؤال جوهري حول الأساس الذي يُبنى عليه إصلاح قطاع حساس مثل التعليم العالي. فالإصلاح الحقيقي لا يمكن أن ينطلق كل مرة من نقطة الصفر، ولا يمكن أن يكون رهيناً بتوجهات حكومة أو وزير. بل يحتاج إلى رؤية بعيدة المدى تُحصن المشاريع من التقلبات السياسية والاختلافات الحزبية، وتضمن استمرارية التنفيذ حتى لو تغيّرت المسؤوليات. وما لم يتم ضمان هذه الاستمرارية، سيظل القطاع يعيش حالة من الاضطراب، وسيظل الإصلاح مجرد محاولات متقطعة لا تُحدث الأثر المطلوب.

التعليقات مغلقة.