الانتفاضة/ محمد الزيري
في سياق تتبع واقع المنظومة التربوية بالمغرب، تكشف أحدث معطيات تقرير “رصد التعليم 2026” الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة عن صورة مقلقة، بل وصادمة في بعض تفاصيلها، لوضعية التمدرس، حيث تبرز الأرقام حجم التحديات البنيوية التي ما تزال تعيق تحقيق مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص. أرقام لا يمكن قراءتها فقط باعتبارها مؤشرات تقنية، بل باعتبارها مرآة تعكس عمق الأزمة التي تعيشها المدرسة المغربية، وتطرح بإلحاح سؤال النجاعة الحقيقية للإصلاحات المتعاقبة.
أول ما يستوقف المتتبع في هذه المعطيات هو أن 74 في المائة من التلاميذ يغادرون المدرسة دون الحصول على شهادة البكالوريا، مقابل 26 في المائة فقط يتمكنون من بلوغ هذا المستوى. رقم ثقيل الدلالة، يكشف أن ثلاثة أرباع المتعلمين يتم إقصاؤهم من المسار الدراسي قبل الوصول إلى نهايته الطبيعية. هذا المعطى لا يمكن فصله عن إشكالية الهدر المدرسي الذي لم يعد ظاهرة عرضية أو مرتبطة بظروف استثنائية، بل تحول إلى سمة بنيوية داخل المنظومة، تعكس خللا عميقا في قدرة المدرسة على الاحتفاظ بالمتعلمين وضمان استمراريتهم.
وتزداد الصورة قتامة عند التعمق في نسب الانقطاع حسب الأسلاك التعليمية، حيث تشير المعطيات إلى أن 16 في المائة من التلاميذ لا يتمون المرحلة الابتدائية، لترتفع النسبة بشكل مهول في السلك الإعدادي إلى 53 في المائة، قبل أن تبلغ ذروتها في التعليم الثانوي التأهيلي بنسبة 74 في المائة. هذا التدرج التصاعدي في نسب الانقطاع يكشف بوضوح أن كل انتقال دراسي يتحول إلى “عنق زجاجة” يدفع أعداداً متزايدة من التلاميذ خارج المنظومة، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة المناهج، وجودة التأطير التربوي، وفعالية آليات الدعم والمواكبة.
ولا تقف المؤشرات عند حدود الانقطاع، بل تمتد لتشمل وضعية الأطفال خارج المدرسة، حيث يسجل التعليم التأهيلي لوحده 418 ألف تلميذ خارج أسواره، مقابل 86 ألفاً في الإعدادي و48 ألفاً في الابتدائي. هذه الأرقام تعكس، من جهة، ضعف جاذبية المدرسة، ومن جهة أخرى، واقعا اجتماعيا واقتصاديا يدفع فئات واسعة من الشباب إلى مغادرة مقاعد الدراسة في اتجاه سوق الشغل غير المهيكل، أو الوقوع في دائرة الهشاشة.
غير أن أخطر ما تكشفه هذه المعطيات لا يرتبط فقط بالولوج أو الاستمرارية، بل بجودة التعلمات نفسها. إذ تشير الأرقام إلى أن 78 في المائة من تلاميذ التعليم الابتدائي لا يتقنون القراءة، و79 في المائة لا يتحكمون في الرياضيات، وهي مهارات أساسية يفترض أن تشكل قاعدة أي مسار تعليمي. وعندما ينتقل التلميذ إلى الإعدادي وهو يعاني من هذه التعثرات، فإن مسار الفشل يكون قد بدأ فعليا، وهو ما تؤكده نسبة 59 في المائة من التلاميذ الذين لا يتحكمون في القراءة في هذا المستوى، مقابل ضعف كبير في الرياضيات. هنا، لا يتعلق الأمر فقط بتعثرات فردية، بل بأزمة تعلم حقيقية تضرب في العمق وظيفة المدرسة.
وفي هذا السياق، يبدو التكرار الدراسي، الذي يصل إلى 18 في المائة في كل من الابتدائي والإعدادي، مجرد حل شكلي لا يعالج جوهر المشكلة، بل قد يساهم في تعميقها، من خلال تكريس الإحباط لدى المتعلم وزيادة احتمالات الانقطاع. فبدل أن يكون التكرار فرصة للدعم، يتحول في كثير من الأحيان إلى محطة إضافية في مسار الفشل.
أما على مستوى العدالة المجالية والاجتماعية، فتؤكد المعطيات أن الفوارق لا تزال تلعب دورا حاسما في تحديد مصير التلميذ. ففي العالم القروي، تتضاعف صعوبات استكمال الدراسة، خاصة لدى الفتيات، في ظل هشاشة البنيات التحتية وبعد المؤسسات التعليمية. كما أن الانتماء الاجتماعي يظل محددا أساسيا، حيث تحظى الأسر الميسورة بفرص أكبر لضمان استمرارية أبنائها، مقابل تعثر واضح لدى أبناء الأسر الفقيرة. وهنا، تفقد المدرسة إحدى أهم وظائفها التاريخية كرافعة للترقي الاجتماعي، لتتحول إلى فضاء يعيد إنتاج الفوارق بدل تقليصها.
ورغم تسجيل تراجع في عدد غير المتمدرسين من أكثر من مليون سنة 2000 إلى حوالي 570 ألفاً سنة 2023، فإن هذا التحسن النسبي لا يخفي عمق الأزمة، خاصة عندما يتم ربطه بمؤشرات الجودة والاستمرارية. فالمشكل لم يعد فقط في إدخال الأطفال إلى المدرسة، بل في ضمان تعلمهم الفعلي واستمرارهم داخلها.
في المحصلة، تكشف هذه الأرقام أن المنظومة التربوية بالمغرب لا تعاني فقط من أزمة موارد أو إمكانيات، بل من أزمة بنيوية مركبة، تتداخل فيها اختلالات الحكامة، وضعف نجاعة السياسات العمومية، ومحدودية أثر الإصلاحات المتعاقبة. وهي أزمة تطرح اليوم تحدياً حقيقياً أمام صناع القرار، ليس فقط لإصلاح المدرسة، بل لاستعادة الثقة فيها كمؤسسة قادرة على تحقيق الإنصاف وبناء المستقبل.
إن استمرار هذا الوضع لا يعني سوى شيء واحد: إنتاج أجيال بمهارات محدودة وآفاق ضيقة، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية. لذلك، لم يعد النقاش حول إصلاح التعليم ترفا، بل ضرورة ملحة تستدعي قرارات جريئة، تعيد للمدرسة دورها الحقيقي، وتضع المتعلم في قلب كل السياسات، ليس كشعار، بل كممارسة فعلية على أرض الواقع.
التعليقات مغلقة.