الإنتفاضة
بقلم : محمد السعيد مازغ
إن الجدل الذي أثارته الخرجة الأخيرة لوزير التعليم لا يتعلق فقط بضعف التحكم في اللغة العربية، بقدر ما يطرح سؤالاً أعمق يرتبط بصورة المسؤول العمومي وحدود احترامه للرأي العام. فالمشكل الحقيقي لا يكمن في إتقان لغة دون أخرى، لأن الكفاءة العلمية والخبرة التدبيرية تظلان الأساس في تقييم المسؤول، بل في غياب التحضير الجيد للتواصل مع المواطنين، خاصة عندما يتعلق الأمر بموقع حكومي يفرض قدراً كبيراً من الجدية والجاهزية. فاللغة تبقى أداة للتواصل ونقل الأفكار، وليست معياراً وحيداً للكفاءة، غير أن الإصرار على مخاطبة الناس بلغة أو لهجة غير متحكم فيها، دون الاستعانة بوسائل التكوين والتأطير المتاحة، يضع المسؤول في موقف محرج ويفتح الباب أمام الانتقاد والسخرية. وهنا يتحول الأمر من مجرد تعثر لغوي إلى إشكال أخلاقي يمس صورة المؤسسة وهيبة المنصب. وفي التجارب السياسية الحديثة، لم يعد عيباً أن يلجأ الوزراء ورؤساء الحكومات إلى مدربين في فن الإلقاء والبروتوكول والتواصل السياسي، أو حتى إلى التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لتحسين الأداء الخطابي. فالمناصب العمومية تفرض على أصحابها تطوير مهارات قد لا تكون جزءاً من تكوينهم الأصلي، احتراما لعقول المتلقين وصوناً لصورة المؤسسات. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس تضخيم الهفوات اللغوية أو تحويلها إلى مادة للتنمر، بل ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على المسؤولية والجدية، لأن المسؤول حين يخاطب المواطنين، فإنه لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الدولة ومؤسساتها أيضاً.
التعليقات مغلقة.