بين الحصانة البرلمانية والعدالة الانتقائية.. من يحمي الكلمة الحرة؟

الانتفاضة // حسن المولوع 

فتح الوكيل العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط بحثا بخصوص التصريحات التي أثارتها قضية خلط الورق بالدقيق، والتي تحوّلت إلى موضوع جدل واسع داخل الرأي العام، غير أن الخوض في إمكانية متابعة برلماني بسبب ما عبّر عنه داخل قبة البرلمان يثير إشكالا دستوريا دقيقا..

فالفصل 64 من الدستور المغربي واضح في هذا الباب، إذ ينص على أنه “لا يمكن متابعة أي عضو من أعضاء البرلمان، ولا البحث عنه، ولا إلقاء القبض عليه، ولا اعتقاله ولا محاكمته، بمناسبة إبدائه لرأي أو قيامه بتصويت خلال مزاولته لمهامه، ماعدا إذا كان الرأي المعبر عنه يجادل في النظام الملكي أو الدين الإسلامي، أو يتضمن ما يخل بالاحترام الواجب للملك.”

ويُفهم من هذا المقتضى أن البرلماني يتمتع بحصانة مطلقة فيما يخص الآراء التي يُبديها أثناء مزاولته لمهامه التشريعية، وهو ما يكرّس مبدأ حرية التعبير داخل المؤسسة التشريعية ويمنع تحويل النقاش البرلماني إلى باب للمساءلة القضائية، إلا في الحالات المحددة دستوريا..

بالتالي، فإن أي إجراء قضائي محتمل يجب أن يستحضر هذا السند الدستوري، حفاظاعلى التوازن بين استقلال السلطة التشريعية وحق السلطة القضائية في البحث والتحري، دون المساس بجوهر الحصانة التي تُعدّ من أهم ضمانات العمل البرلماني الديمقراطي.

أما على مستوى الرأي العام، فقد انقسمت المواقف بين من يرى أن البرلمان يجب أن يبقى فضاء حرا للنقاش وكشف الحقائق دون خوف من المتابعة، وبين من يعتبر أن الخطاب البرلماني لا ينبغي أن يتحول إلى منصة للتشهير أو الإضرار بمؤسسات اقتصادية أو اجتماعية. فهذا الجدل يعيد إلى الواجهة السؤال الجوهري حول حدود حرية التعبير البرلمانية في مقابل مسؤولية الكلمة حين تتقاطع مع قضايا تمس الأمن الغذائي والصحة العامة.

والمفارقة الكبرى أن الصحافي لو قال ما قاله البرلماني، لتمت مهاجمته فورا واتهامه دون انتظار أي بحث أو تحقيق، بل يُطلب منه تقديم الأدلة القاطعة كما لو كان ضابط شرطة أو قاضيا للتحقيق.. فهذه الازدواجية في التعامل تطرح سؤالا مؤرقا حول من يحمي الكلمة الحرة خارج البرلمان، حين تكون مدفوعة بواجب المهنة والضمير؟

فحرية الكلمة، سواء تحت قبة البرلمان أو في مكاتب الصحافة، تبقى أساس أي ديمقراطية حقيقية، وميزانا لمدى احترام الدولة لحق المواطن في معرفة الحقيقة..

التعليقات مغلقة.