الانتفاضة // مولاي التهامي بهطاط
أتوقف في هذه المقال عند نقطتين :
أولاهما تتعلق بالجلبة المثارة حول “الورقة” أو “الارضية السياسية” التي نشرتها مجموعة “جيل -ز”، وتلقاها البعض بالسخرية، بينما حاول كثيرون ممارسة نوع من “الإستاذية” عبر “نقد قانوني/دستوري” .. لهذه الوثيقة.
غاب عن هؤلاء أن العنوان الرئيسي والوحيد لهذه “الورقة” هو طلب “التحكيم الملكي”، وهو ما ترجمته الشعارات المرفوعة امس بوقفة مدينة الدار البيضاء: “الشعب يريد التدخل الملكي”.
وكل من فهم غير هذا، ما عليه إلا أن “يتلهي” كما يقول المصريون..
غريب أمر “عباقرة” مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يفهمون في كل شيء، من الكرة إلى الذرة، بينما يغيب عنهم أن هؤلاء الشباب هم إما من ضحايا “الهدر المدرسي” أو من ضحايا “مخططات الإصلاح” التي توالت وتشابهت على مدى عقود، وكان شعارها الوحيد، تخريب المدرسة، وحرمان المغاربة من تعليم يؤهلهم لمواجهة تحديات المستقبل، وللارتقاء الاجتماعي.. ورحم الله زمنا كان فيه تلاميذ الابتدائي يحفظون هذه الابيات:
ربوا بنيكم ،علموهم، هذبوا = فتياتكم، فالعلم خير قـوام.
والعلم مال المعدمين إذا هموا = خرجوا إلى الدنيا بغـير حطام.
وأخو الجهالة في الحياة كأنـه = ساع إلى حرب بغيـر حسام.
فالجهل يخفض أمـة ويذلــها = والعلم يرفعها أجل مقام.
ثم كيف لم يستحضر هؤلاء “العباقرة” المستوى المنحط الذي وصلت إليه الجامعة المغربية، التي اصبحت تبيع النقط مقابل الجنس، وتنظم سهرات الشيخات، وتحتفي بالقليشيين والقليشيات، وترقي المتلبسين بالـ”Plagiat”؟
ألا يرون ما الذي يقترفه “اساتزة” القانون العام عبر قنواتهم وصفحاتهم في مواقع التواصل، ولقاءاتهم الصحفية؟
ألا يخوض بعضهم حروبا يومية مع “الزازاير” حول الملكية الفكرية للبسطيلة والحريرة؟
ألا يرغي هؤلاء ويزبدون اليوم ليقنعوا الرأي العام المغربي بأن هذا الحراك الشبابي هو من تدبير المخابرات الجزائرية، حتى ليخيل للمتابع أن “ناصر الجن” المختفي منذ اسابيع، قد تسلل إلى إنزكان حيث يدير “غرفة عمليات سرية”؟
ألا يتذكرون “الفتوى” الشهيرة لـ”الفقيهة الدستورية” التي قالت إن حل مشكلة البلوكاج يكمن في تعيين رئيس الحزب الذي احتل المرتبة الرابعة في انتخابات 2016، رئيسا للحكومة، مع أنها كانت ضمن لجنة صياغة دستور 2011، ولا شك انها اطلعت على الفصل 47، لكن كلمة السر تكمن في أن هذا الرابع لم يكن سوى أخنوش نفسه؟
أليس الأولى، قبل أن تسخروا من مطالب ضحايا السياسات العمومية في مجال التعليم، ان تطالبوا “أساسزة” القانون برفع النيفو” قليلا؟
وأختم هذه النقطة بإشارة بسيطة حول إمكانية إعفاء رئيس الحكومة، حيث جزم كثيرون أن هذا ليس من صلاحيات الملك.
واستغرب كيف يمكن الجمع بين حق الملك – الملطق نظريا – في إقالة جميع المسؤولين عسكريين ومدنيين، محليين ومركزيين، وبمن فيهم الرئيس المنتدب للسلطة القضائية، ورئيس النيابة العامة، ورئيس المحكمة الدستورية، بل وحل البرلمان الذي هو اساس “شرعية الحكومة”، وبين منح رئيس هذه الاخيرة حصانة ضد العزل، هذا دون أن ننسى أن الأمر لا يتطلب كل هذا السجال الفارغ، لأنه يمكن للديوان الملكي أن يتصل بالسيد أخنوش ويخبره بأن يعتبر نفسه في حكم “المستقيل”، دون أن نسمع أن السيد الرئيس رفض هذا “الواقع” بدعوى لا دستوريته.
أما النقطة الثانية، فتتعلق ببعض الأصوات التي تحدثت عن أن الحكومة تسقط بالانتخابات وليس بالمظاهرات.
وهذا كلام صحيح في الحالات الطبيعية والعادية، لكنها قد تسقط فعلا تحت ضغط الشارع، والفرق هو فقط كيف يكون هذا السقوط في الأنظمة الديموقراطية، وكيف يكون في الأنظمة الشمولية.
لا أريد هنا أن أقدم نماذج من التاريخ القريب والبعيد، ولكن يبدو أن الحكومة -أو بعض مكوناتها على الأقل- تعيش في واقع افتراضي، ويفوتها حتى أن تستحضر أن حكومة عباس الفاسي (2007 -2011) سقطت فعلا قبل نهاية الولاية التشريعية بسبب حراك الشارع.
ربما يعتقد البعض أن أخنوش “أقوى” من الفاسي، وأن حزبه “اكتسح” انتخابات 8 شتنبر الشهيرة، لكن هل هو أقوى من مارغريت تاتشر، المرأة الحديدية التي طبعت تاريخ المملكة المتحدة وأوروبا والعالم ببصمة لا يمكن محوها؟
أتمنى ان يطلع الناس على قصة سقوطها المدوية، على يد نواب حزبها، وهي في أوج قوتها، بل وقد خرجت لتوها منتصرة من انتخابات تشريعية حصلت فيها على أغلبية ساحقة..
هذه الطعنة التي لم تتوقعها، جعلتها تذرف الدموع لأول مرة في حياتها، وهي التي كانت “تصبن” الوزراء “الذكور” فلا يرفعون حتى أعينهم فيها.. بل وصفها الرئيس ميران بأنها “الرجل السياسي الوحيد في بريطانيا”.
لكن لماذا تم إسقاطها، ودفعها للخروج من “الباب الصغير” بعدما كانت ملء السمع والبصر؟
السبب هو ضريبة “Poll tax”، التي فرضتها الحكومة على “الرؤوس”، حيث إن كل “جماعة ترابية” تحدد مبلغا إجماليا، ثم تقسمه على عدد سكانها البالغين، دون مراعاة لا لدخلهم ولا لأي عنصر آخر، وهو ما أدى إلى اندلاع مظاهرات كانت أقواها يوم 30 مارس 1990، حيث اندلعت أعمال شغب أدت إلى إصابة 400 شخص بجروح، منهم 300 من القوات العمومية، فضلا عن التخريب والنهب..
فكيف يقول قائلون إن الحكومات لا تسقط بالمظاهرات، والحال أن ما فعله أخنوش أضعاف أضعاف ما أغضب البريطانيين، وجعل نواب حزب المحافظين ينقبلون على المرأة الحديدة خوفا على مقاعدهم من التصويت العقابي؟
وأختم مرة أخرى بالأمل في ان يتدخل “الحكماء”، لأن “الوطن فوق الجميع”، ليقنعوا رئيس الحكومة بأن يتعامل مع الواقع الحقيقي، وأن لا يعيش في الواقع الافتراضي الذي تعرضه له الصحافة التي يعلفها من المالين العام والخاص، وحواريوه الذين يكافئهم بالمناصب بمنطق.. إمدح وارتق..
التعليقات مغلقة.