الإنتفاضة
بينما تتواصل الإعلانات الرسمية عن افتتاح معاهد موسيقية جديدة وتوسيع شبكة مؤسسات التعليم الفني بالمغرب، يظل سؤال الحصيلة الفعلية لهذه الاستثمارات الثقافية مطروحاً بإلحاح: ما الذي حققته هذه المعاهد على مستوى التكوين واكتشاف المواهب والإدماج المهني؟ وأين هي المعطيات التي تسمح للرأي العام بتقييم نتائج هذه السياسات العمومية؟. خلال السنوات الأخيرة، حرصت وزارة الشباب والثقافة والتواصل على إبراز جهودها في مجال تطوير التعليم الموسيقي، سواء عبر توسيع شبكة المعاهد التابعة لها أو من خلال إطلاق مشاريع جديدة، من بينها المعهد الوطني العالي للموسيقى والفن الكوريغرافي بالرباط. غير أن المتتبعين للشأن الثقافي يلاحظون أن الأرقام المتعلقة بأداء هذه المؤسسات ومخرجاتها ما تزال محدودة الحضور في الفضاء العمومي. . فلا تتوفر إلى حدود اليوم معطيات منشورة بشكل دوري ومفصل حول عدد المسجلين الجدد سنوياً، ونسب الانقطاع عن الدراسة، وعدد المتخرجين، أو نسبة اندماجهم في سوق الشغل الثقافي والفني. كما تغيب مؤشرات دقيقة حول مدى مساهمة هذه المؤسسات في تحقيق الأهداف المعلنة المرتبطة باكتشاف المواهب وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية. وفي جهة مراكش آسفي، التي تعد من أكبر الجهات المغربية من حيث الكثافة السكانية والغنى الثقافي، يثير توزيع مؤسسات التعليم الموسيقي بدوره تساؤلات مرتبطة بالإنصاف المجالي. فبينما تستفيد مدن مثل مراكش والصويرة وآسفي من وجود معاهد موسيقية، تظل مناطق وأقاليم أخرى ذات رصيد فني وثقافي مهم في حاجة إلى تعزيز العرض التكويني وتقريب خدمات التعليم الموسيقي من الشباب واليافعين. ولا يقتصر النقاش على عدد المؤسسات أو توزيعها الجغرافي، بل يمتد إلى طبيعة التكوين المقدم داخلها. فوفق إفادات عدد من الفاعلين والمهتمين بالمجال الموسيقي، ما تزال هناك تساؤلات بشأن توحيد المضامين البيداغوجية المعتمدة في بعض التخصصات، ومدى توفر مراجع ومقررات مؤطرة بشكل موحد تضمن تكافؤ فرص التعلم بين مختلف المعاهد.
كما يطرح موضوع التأطير التربوي بدوره نقاشاً مهماً داخل الأوساط الفنية. فالكفاءة الموسيقية والخبرة الفنية تظل عنصراً أساسياً في عملية التكوين، غير أن عدداً من المتابعين يعتبرون أن تدريس الموسيقى للأطفال واليافعين يتطلب أيضاً تكويناً بيداغوجياً متخصصاً وآليات مستمرة للمواكبة والتأطير والتقييم، بما ينسجم مع المعايير المعتمدة في مختلف أنظمة التعليم والتكوين.
وفي هذا السياق، تبرز أسئلة مرتبطة ببرامج التكوين المستمر الموجهة للأطر التربوية، وآليات التفتيش والمواكبة الأكاديمية، ومدى توحيد معايير التقييم بين مختلف المؤسسات التابعة للقطاع.
من جهة أخرى، تشير شهادات عدد من المهتمين بالمجال إلى وجود حالات انقطاع عن الدراسة خلال السنوات الأولى من التكوين لدى بعض المتعلمين، وهو معطى يستدعي بدوره نشر مؤشرات رسمية دقيقة تسمح بفهم حجم الظاهرة وأسبابها الحقيقية، سواء كانت مرتبطة بالمناهج المعتمدة أو بظروف التكوين أو بعوامل اجتماعية واقتصادية أخرى.
وتزداد الحاجة إلى الوضوح عند الحديث عن المعاهد الموسيقية التابعة للجماعات الترابية، والتي تشتغل خارج الوصاية المباشرة لوزارة الثقافة. فهذه المؤسسات تؤدي أدواراً مهمة في نشر التربية الموسيقية، غير أن عدداً من الأسئلة ما يزال مطروحاً بشأن الوضع القانوني والأكاديمي للشهادات التي تمنحها، ومدى الاعتراف بها، وإمكانية متابعة خريجيها لمسارهم الدراسي داخل المؤسسات التابعة للوزارة.
كما لا تتوفر معطيات منشورة حول عدد المستفيدين الذين تم إدماجهم فعلياً في المنظومة الرسمية للتعليم الموسيقي، أو حول مدى انسجام البرامج المعتمدة بهذه المؤسسات مع المرجعيات الوطنية المعمول بها في القطاع.
وفي الوقت الذي تعتمد فيه العديد من الدول نشر تقارير دورية حول واقع التعليم الفني والموسيقي ومؤشرات أدائه، يظل من المشروع التساؤل حول عدد من المعطيات الأساسية المرتبطة بالقطاع، من بينها:
عدد المسجلين الجدد سنوياً.
نسب الانقطاع عن الدراسة.
عدد المتخرجين كل سنة.
نسبة اندماج الخريجين في سوق الشغل الثقافي والفني.
عدد الأساتذة المستفيدين من تكوينات بيداغوجية متخصصة.
حجم برامج التكوين المستمر الموجهة للأطر التربوية.
عدد خريجي المعاهد الجماعية الذين تم إدماجهم في المؤسسات التابعة للوزارة.
مدى توافق البرامج المعتمدة بمختلف المؤسسات مع المعايير الوطنية للتكوين الموسيقي.
إن تقييم أي سياسة عمومية في المجال الثقافي لا يرتبط فقط بعدد المشاريع التي يتم افتتاحها أو حجم البنيات التحتية المنجزة، بل يقاس أيضاً بمدى قدرتها على تحقيق نتائج قابلة للقياس والتتبع والتقييم، وعلى توفير فرص حقيقية للتكوين والتأهيل والإدماج.
ويبقى نشر معطيات دقيقة ومحيّنة وقابلة للتحقق حول واقع التعليم الموسيقي بالمغرب خطوة أساسية لتعزيز الشفافية، وتغذية النقاش العمومي، وتمكين الباحثين والمهتمين والفاعلين الثقافيين من تقييم المنجزات ورصد التحديات واقتراح سبل التطوير، بما يخدم مستقبل التربية الموسيقية والثقافية بالمملكة.