الانتفاضة // عبد الرحيم الوالي
سنة 1982، كنا تلاميذ ـ مجرد تلاميذ!ـ في ثانوية طه حسين بحي الإدريسية بالدار البيضاء.
لم يكن جُرحُ 20 يونيو 1981 قد اندمل بعدُ في كياننا، وكانت صُور الدبابات، وشاحنات الجيش والدرك، وصوتُ الرصاص، ما تزال تساورُ سمعنا وبصرنا رغم أن الدبابات والشاحنات والرشاشات كانت قد غادرت الشوارع تماماً قبل شهور من ذلك اليوم.
لا أزال أذكر المشهد وكأنه يحدث أمامي الآن. داخل الفصل كانت أستاذة اللغة العربية تقف بنشاطها المعهود أمام السبورة تشرح قصيدة لإيليا أبي ماضي. وهي القصيدة التي كان يحفظها آنذاك أغلبُ التلاميذ، والتي كانت تبدأ ببيت يتحدث عن “السماء الكئيبة”.
غير أن سماء الفصل كانت، على العكس من ذلك، مبتهجة تماما. وكانت الأستاذة الجميلة، بلباسها العصري الأنيق، تخوض في المعاني الشعرية الداعية إلى التفاؤل. ولم يكن ينقصنا في تلك الأثناء أي “خير”.
فنحن نُبحر مع إيليا أبي ماضي في تفاؤله على متن سفينة الأحلام التي كانت تقودها أستاذة جميلة وأنيقة واسمُها، فوق ذلك، “أنغام”.
فجآة، بدأت الأحجار تتهاطل على الفصل من الجانبين. وما هي إلا لحظات حتى كان زجاج النوافذ، في الثانوية بأكملها، في خبر كان.
ولم يكد يمضي وقتٌ قصير حتى تم تطويق الثانوية، واصطفت أمام بواباتها (هي بالفعل ثانوية بعدة بوابات وما تزال كذلك إلى اليوم) سيارات الشرطة وشاحنات القوات المساعدة. وحين غادرنا الثانوية على الساعة السادسة مساء كان الظلام يلف المكان، وكان الجميع يركض في كل الاتجاهات رغم أن عناصر الشرطة والقوات المساعدة لم يهاجموا أحدا في تلك الأثناء. لكن رُعبَ السبت الدامي، يوم 20 يونيو 1981، كان لا يزال يسكن الجميع.
نفسُ مشهد الركض العشوائي عشتُه يوم 15 دجنبر 1990، أي في اليوم الموالي للإضراب العام يوم 14 دجنبر من نفس السنة، عندما انتشرت فجأة إشاعة قوية تقول بأن الأوامر قد صدرت بإطلاق الرصاص على كل من يوجد في الشارع.
كنت آنذاك في المقهى، وإذا بي أرى الناس يركضون مذعورين وكأن القيامة قد حلَّت على حين غرة، رغم أنه لم يكن هناك جيش ولا شرطة ولا درك، بل لم يكن هناك شرطي واحد على الإطلاق حتى وإن كان شرطي مرور. وما استنتجتُه من حديثي مع الناس لاحقا هو أن صور الرعب الذي حدث يوم 20 يونيو 1981، كانت لا تزال تسكن وجدان الناس رغم مرور تسع سنوات على يوم السبت المشهود.
لماذا أستحضر كل هذا الآن؟
أستحضره وأنا أفكر في العلاقة التي قد تقوم بين السياسة من جهة وفلسفة السياسة من جهة أخرى.
فالأولى تنبني على ما يمكن أن نسميه “مبدأ الواقع”، بينما الثانية تخوض في “ما يجب أن يكون”.
وعليه، فبين السياسة وفلسفة السياسة مسافةٌ قَدْرُها الفلسفةُ نفسُها.
بمعنى آخر، فالسياسي لا تهمه الإشكاليات الفلسفية التي يثيرها مجالُ اشتغاله. ولذلك فهو يعمل على الدوام بأدوات غير فلسفية بالمرة.
وقد يستعمل الكلمة مثلما قد يستعمل الرصاص الحي. وبين تلك وذاك قد يستعمل “الزرواطة”.
ولعل الزمن الذي تحدثتُ عنه في بداية هذه المقالة كان زمن “زرواطة” بامتياز، وربما جاز لنا بحكم ذلك أن نسميه “عصر الزَّاي” المغربي عن جدارة واستحقاق.
العصرُ نفسُه يعود اليوم. فكأن كل التغيير الذي ظللنا نتحدث عنه، منذ إعلان الملك الراحل الحسن الثاني عن تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان قبل خمس وثلاثين سنة، قد انحصر في ترجمة “الزاي” إلى “Z”. وبعد أن عاش مغاربة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات تحت سلطة “الزاي”، سيكون على جيل منتصف العشرينيات من القرن الحالي أن يعيش تحت سلطة “Z”، أي تحت سلطة “زرواطة” مترجمة إلى لغة روبسبيير.
لا يجب، طبعاً، أن نذهب في اتجاه التهويل لأن هذا ليس من السياسة ولا هو من فلسفة السياسة.
لكنْ، بالمقابل، لا يجوز الذهاب في اتجاه التهوين والتخوين. فالمطالب مشروعة، والاحتجاج السلمي مشروع ومضمون بقوة الدستور، والجيل الذي يملأ الشوارع اليوم لم يعش رعباً مماثلاً لما حصل يوم السبت الأسود في الدار البيضاء قبل أربع وأربعين سنة، ولا لما حصل يوم 14 دجنبر 1990 في فاس وغيرها.
وما يُفترض اليوم في أعلى سلطات الدولة المغربية، أي في الملك، هو الحرص على ضمان الحقوق والحريات العامة، فردية كانت أو جماعية، لأن تلك هي الضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق نحو هاوية العنف والعنف المضاد.
وبدل أن تتجه “الزرواطة المترجمة” إلى أجساد الشباب الغضة يجب توجيه آليات المحاسبة إلى كل “العفاريت” التي ظلت تخرج من قَمَاقِمِها لتُفشِلَ كل مشاريع الإصلاح التي قادها الملك نفسُه في الصحة، والتعليم، والتنمية البشرية وغيرها.
إن الشباب الذي يحتج اليوم في الشوارع ليس عدوا للملكية، ولا للملك، ولا للبلاد.
بل إن أعداء الملك والملكية، وأعداء المغرب والمغاربة، يوجدون في أماكن أخرى ولا يملكون جرأة الخروج إلى الشارع أصلا. ولعل الحل يكمن في مبادرة ملكية عاجلة للنهوض بالقطاع الصحي، وفي استرجاع أموال البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم من بطون “التماسيح” التي ما فتئت تغرز أنيابها في المال العام.
وأخيرا، قد يكون هناك أيضا ما يدعو إلى محاسبة الأحزاب السياسية التي لا تقوم بدورها في تأطير المواطنين واحتضان مطالبهم المشروعة، ولا تفعل بالسياسة في هذا البلد سوى أنها تمارسُها ب”الزاي”، أي أنها “تُزَوْمِحُها”. ول”الزَّوْمَحَة” في دارجتنا معنى لا أظنه يخفى على أحد.
وكم سأكون سعيدا إذا صحوتُ غداً على وطن بدون “زاي” لعلي أعود إلى تلك القصيدة التي لم تكمل الأستاذة أنغام شرحها في ذلك المساء الأغبر.
التعليقات مغلقة.