الانتفاضة
يشق المغرب طريقه بخطى ثابتة نحو تعزيز مكانته كقطب بحري رائد في المنطقة، من خلال مشروع الربط البحري الكهربائي المزعوم إقامته بشراكة مع إسبانيا، والذي يُرتقب أن يُحدث تحوّلًا بيئيًا وتقنيًا في موانئه.
فهذا المشروع لا يقتصر على تزويد السفن بالطاقة النظيفة فحسب، بل يندرج ضمن رؤية أشمل لبناء موانئ إيكولوجية تضع الإستدامة في صلب أولوياتها.
كما أن المبادرة الجديدة، التي ستربط ميناء طريفة الإسباني بميناء طنجة المدينة، تأتي استكمالًا لتجربة ناجحة بميناء طنجة المتوسط، حيث اعتمد المغرب منذ سنوات سياسة بيئية، تقوم على تشغيل السفن بالطاقة النظيفة أثناء رسوها، بدلًا من الإعتماد على الوقود التقليدي وما يرافقه من انبعاثات ملوثة.
وبذلك، يصبح ميناء طنجة المدينة ثاني نموذج للموانئ الإيكولوجية بعد “طنجة المتوسط”، ما يعكس التزام المملكة بالإنتقال الطاقي وتقليص البصمة الكربونية في قطاع النقل البحري.
وإلى جانب بعده البيئي، يعد المشروع نقلة نوعية في الخدمات المقدمة للمسافرين، حيث وبحسب الشركة الإسبانية المشرفة، سيؤدي الربط الكهربائي إلى تقليص الضوضاء والإهتزازات بشكل ملحوظ، ما يرفع من جودة السفر ويمنح الركاب تجربة أكثر راحة.
كما سيتعزز هذا التحول من خلال تجهيز الميناءين بمحطات شحن سريع وبطاريات تخزين، بطاقة تصل إلى 8 ميغاواط/ساعة، وأذرع آلية متطورة تُمكّن من شحن السفن في ظرف لا يتجاوز 40 دقيقة.
هذا المشروع يأتي في لحظة محورية، إذ يستعد المغرب لإطلاق إستراتيجية وطنية لتقوية أسطوله البحري، وذلك وفق ما كشفه وزير النقل “عبد الصمد قيوح” أمام البرلمان في يونيو الماضي.
فالأسطول الوطني، الذي كان يضم نحو 70 سفينة للنقل سنة 1970، تراجع اليوم إلى 15 فقط، أغلبها مملوك لأجانب، هذا الوضع الذي جعل المغرب يطمح إلى إستعادة موقعه البحري عبر صناعة سفن حديثة، وتعزيز تنافسيته في واحد من أكثر القطاعات حيوية.
ويكتسي الربط الكهربائي بين طنجة وطريفة أهمية مضاعفة خلال موسم عودة المغتربين، الذي يُعد من أضخم عمليات العبور في العالم، حيث يتوافد إلى المملكة كل صيف ما يقارب 4 ملايين من أبناء الجالية المقيمة بالخارج.
وبما أن العدد الإجمالي للمغاربة المقيمين في المهجر يُقدر بنحو 6 ملايين، فإن تحسين البنية التحتية البحرية وتجويد خدماتها، يظل عاملًا إستراتيجيًا لتسهيل هذا العبور وتعزيز الروابط مع الوطن الأم، إذ ومن خلال هذا المشروع، يؤكد المغرب أن رهانه على التحول الطاقي، لا ينفصل عن رهاناته الإقتصادية والإجتماعية، وأنّ بناء موانئ نظيفة وعصرية يشكل خطوة هامة، نحو ترسيخ موقعه كبوابة بحرية رائدة بين أوروبا و إفريقيا.
التعليقات مغلقة.