الانتفاضة
أثارت عودة أحد الوزراء السابقين إلى المسار الأكاديمي خارج البلاد، مباشرة بعد مغادرته قطاعا حيويا كان يشرف عليه، جدلا كبيرا، وكتبت مقالات تناولت الموضوع من زوايا مختلفة.
ارتاينا أن نساهم في هذا النقاش العمومي لأننا نعتبر ان هذه “العودة الأكاديمية” تثير إشكالات عميقة تتجاوز البعد الفردي للقرار.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد اختيار شخصي لمسار مهني، بل تكشف عن رمزية سياسية ودلالات سوسيولوجية ترتبط بالثقة في المؤسسات الوطنية، وبالعلاقة المأزومة بين العديد من النخب السياسية- خاصة الرسمية- والمجتمع.
لقد عرف عن الوزير المعني أنه قاد إصلاحات مثيرة للجدل خلال فترة تحمله المسؤولية، القطاع له علاقة بالتكوين في مجال الطب والصيدلة، حيث أدت القرارات المتعلقة بتقليص مدة الدراسة وفرض قيود على الهجرة المهنية إلى موجة احتجاجات طلابية غير مسبوقة تسببت في سنة بيضاء.
وقد أبرزت تلك اللحظة حدود الإصلاحات الفوقية في تحقيق التوازن بين أهداف الدولة ورهانات الأفراد، كما كشفت عن هشاشة آليات التوافق في صياغة السياسات العمومية.
غير أن المفارقة البارزة تتجسد في انتقال الوزير ذاته، بعد خروجه من موقع القرار، إلى فضاء أكاديمي أجنبي لمتابعة مساره المهني.
ففي الوقت الذي حاول فيه تقليص فرص الطلبة في الهجرة “حفاظا على الكفاءات”، مارس بنفسه “حق الهجرة الأكاديمية” بحثا عن شروط أفضل للإنتاج المعرفي. هذه المفارقة تجسد ما يعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ “الانفصام بين الخطاب والممارسة”، حيث يظل الخطاب متمحورا حول الوطنية وخدمة الصالح العام، بينما تنصرف الممارسة إلى خيارات فردية ترتكز على منطق المصلحة الذاتية.
هذا التناقض ليس معزولا، بل يعكس بوضوح ظاهرة “هجرة الأدمغة” التي عانى منها المغرب طويلا.
إذ لا تقتصر الهجرة على الكفاءات الشابة من أطباء ومهندسين وباحثين، بل تمتد أحيانا إلى النخب التي تولت مواقع القرار. وهنا تصبح الرسالة السياسية ذات خطورة مضاعفة: فإذا كان من تولى المسؤولية لا يجد في المنظومة الوطنية فضاء كافيا لمواصلة عطائه، فكيف له ان يقنع الشباب بالبقاء والمراهنة على المستقبل داخل الوطن؟
إنها حالة تبرز هشاشة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع، والذي يقوم على أساس الثقة المتبادلة والالتزام المشترك بتحمل التضحيات. فعندما يغادر صانع القرار بسهولة بعد انتهاء مهمته، تاركا وراءه ملفات مفتوحة وكلفة اجتماعية يتحملها المواطن، فإن شرعية الخطاب الإصلاحي تتعرض للتآكل.
وفي ظل غياب آليات واضحة للمحاسبة، يتحول الأمر إلى ما يشبه “تجارب عابرة” يفرض أثرها على المجتمع بينما يحتفظ الفاعل السياسي بخيارات بديلة في الخارج.
في المحصلة، تقدم هذه الحالة نموذجا لدراسة أزمة الثقة في النخب السياسية، وتجعل من الضروري إعادة التفكير في سياسات تثمين الكفاءات الوطنية وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يبقى الوطن بالنسبة للبعض مجرد محطة مؤقتة في مسارات فردية، بينما يدفع المواطن العادي ثمن القرارات والسياسات غير المكتملة.
وبهذا الصدد اريد أن أعود إلى
النقاش التلفزي المخصص لملف التقاعد، والذي تمت دعوة الكونفدرالية الديمقراطية للمساهمة فيه واعطاء تصورها بخصوصه، أبرز هذا النقاش إحدى المفارقات البنيوية في تدبير الشأن العمومي بالمغرب، والمتمثلة في التوتر القائم بين مطلب الحكامة الديمقراطية القائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين منطق التدبير البيروقراطي الذي يفتقر إلى آليات فعالة للمساءلة.
فقد كان تدخل ممثل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل منصبا على ضرورة تقييم الصناديق المحدثة لأغراض أو ظروف معينة، والتأكيد على تقديم حساب واضح حول مآلاتها، وهو ما ينسجم مع المبادئ الدستورية التي تنص على أن “ربط المسؤولية بالمحاسبة” يشكل قاعدة من قواعد التدبير العمومي الرشيد.
غير أن رد الخبير المشارك، الذي أبدى، بانفعال غريب، رفضا حادا لهذا الطرح، كشف عن دور ما يعرف في الأدبيات بــ”الخبرة الوظيفية”، حيث يتم استدعاء الخبراء لا باعتبارهم فاعلين مستقلين، بل كأدوات لنقل الرؤية الرسمية وتبرير اختياراتها.
ويؤشر هذا الوضع على استمرار ما يسميه بيير بورديو بــ”العنف الرمزي”، حيث تقدم المواقف السياسية في صيغة تقنية محايدة، بما يساهم في إعادة إنتاج علاقات القوة في الحقل الاجتماعي.
من منظور تحليلي، فإن هذا التباين يعكس قصورا في ترسيخ ثقافة المساءلة والمحاسبة كآلية جوهرية للحكامة، ويؤكد في الآن ذاته مشروعية الطرح النقابي الذي يدعو إلى إخضاع القرارات العمومية، وخاصة في القطاعات الاجتماعية الحساسة كالتقاعد، إلى منطق التقييم والشفافية.
إن جوهر الإشكال لا يتعلق بالجانب المالي أو التقني فحسب، بل بمسألة المسؤولية السياسية والمؤسسية، أي بمدى قدرة الدولة على الوفاء بواجبها في تقديم الحساب للمجتمع، وهو ما يشكل في الفكر السياسي المعاصر شرطا ضروريا لتحقيق الشرعية الديمقراطية.
التعليقات مغلقة.