الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
في خرجة غير موفقة كالعادة، خرج أخنوش في زيارته مؤخرا للحوز والتي جاءت متاخرة بنحو سنتين وأكثر، ليتحدث عن أشياء لا علاقة لها لا بالإعمار ولا بإعادة الإعمار ولا هم يحزنون، وذلك لدغدغة المشاعر وإظهار العنتريات المزعومة، والكذب على الساكنة كما كذب عليها لأزيد من أربع سنوات عجاف.
يبدو المشهد عاديا لأول وهلة: رجال يجلسون على كراس بلاستيكية أمام جدار باهت الطلاء، طاولة مغطاة بمفرش مزركش، عليها ما تيسر من المكسرات والشاي، وابتسامات مرسومة كأنها صُنعت خصيصا لمناسبة مؤقتة.
لكن خلف هذه العادية المفترضة، هناك مأساة كاملة… مأساة وطن تُدار بالكاميرا أكثر مما تدار بالحكمة…
ها هو رئيس الحكومة، أخيرا، جالس كما يجلس الفقراء، يشرب من كأس شاي بسيط، ويضحك ضحكة واسعة تُظهر كل أسنانه… ربما لأول مرة يكتشف الناس أنه يملك أسنانا أيضا…
ليس لأنه كان يخفيها، بل لأنه كان مختفيا تماما.
خمس سنوات من الحكم، لم يرَ فيه الناس جلابيبهم إلا في هذه الصورة، ولم يسمعوا صوتا يشبههم إلا حين بدأت الأرض تنطق غضبا…
لم تكن “رحلته الى الحوز” ناتجة عن شعور داخلي بالذنب أو بالمسؤولية، بل جاءت حين أصبح الصمت عبئا انتخابيا.
حين أصبحت الصورة، لا الفعل، هي السياسة.
السياسة التي وصفها ميكيافيلي بأنها فن السيطرة، لا فن الخدمة…
جلس على الكرسي الأبيض وكأن شيئا لم يكن، وكأن الزلزال لم يسقط سقفا، وكأن القرى لم تُختبر في شرفها حين نامت نساؤها في العراء…
كأن التاريخ لا يسجل، أو أن الوجع يُنسى حين يُلتقط بجانب الشاي واللوز…
غوستاف لوبون لم يكن مبالغا حين قال إن الجماهير تحكمها العاطفة لا العقل.
وهذا السياسي يعرف جيدا أن ضحكة واحدة وسط الجموع المتعبة، قادرة على أن تمحو سنوات من الغياب… ولو إلى حين.
لكن لا…
ليس كل الناس تنخدع، وليس كل الفقراء يبتسمون من فرح.
بعض الابتسامات تُشبه الدموع، لكنها تسيل للداخل. بعض الصور لا تُنسي وجعا، بل تُوثقه…
في الصورة، لا يظهر الحوز الحقيقي…
الحوز الذي صرخ طويلا في المسالك، وانتظر طريقا معبدا فلم يأته.
الحوز الذي ضمد جراحه وحده، ثم وجد نفسه الآن ممثلا على مائدة مزيفة..
الجلوس بين الناس لا يصنع منك واحدا منهم، كما أن حمل المسبحة لا يجعلك وليا.
والسياسة، إن لم تمارس في الوقت الصعب، لا معنى لها حين تُمارس على أبواب الانتخابات…
نعم، هناك سياسات تُدمارس بالشاي والخبز والتقاط الصور، لكنها لا تبني وطنا.
الناس في الحوز لا يريدون صورا، بل طرقا معبدة، ومستشفيات ، وبيوتا ومدارس …
لا يريدون ضحكات تأتي في موعد الحملة، بل عدلا يأتي في موعده الحقيقي.
السياسي الذي لا يظهر إلا حين تشتعل الكاميرات، لا يُراهن عليه حين تشتعل البلاد..
انتهى زمن الفذلقة السياسية ولبس فرو الحمل في جسد ذئب ، والناس بدأت تعرف من يبتسم بمودة ومن يظهر طقم أسنانه للإفتراس …
بقي أن نشير إلى أن السياسة لا تمارس بالصور والزيارات المفبركة واللقاءات الموسمية التي تشم منها رائحة الانتخابات، وإنما السياسة هي تجعل من المواطن والمواطن مربط الفرس في كل البرامج التنموية.
التعليقات مغلقة.