“عناق أنفسنا”… بين الترند الرقمي والبحث عن التوازن النفسي

الانتفاضة // إ . السوسي

إنتشر في الآونة الأخيرة على منصات التواصل الإجتماعي ترند يحمل طابعاً عاطفياً عميقاً، عُرف باسم “عناق أنفسنا عندما كنا أطفالاً”، حيث يقوم المشاركون فيه بنشر صور معدلة أو فيديوهات قصيرة، يظهرون فيها وهم يحتضنون نسخة طفولية من أنفسهم.

ورغم أن المشهد يبدو في ظاهره مجرد موضة رقمية عابرة، إلا أنه يكشف عن حاجة إنسانية دفينة، ألا و هي الرغبة في المصالحة مع الذات واستعادة دفء إفتقده الكثيرون في مراحل حياتهم المبكرة.ففي علم النفس، يُطلق على هذا المفهوم الطفل الداخلي، وهو مصطلح يشير إلى البُعد العاطفي العميق داخل كل فرد، ذلك الجزء الذي يحمل آثار التجارب الأولى، من فرح أو ألم أو خوف أو حرمان.

يرى خبراء العلاج النفسي أن التواصل مع هذا “الطفل الداخلي”، يُعدّ خطوة مهمة لفهم الذات وإعادة بناء توازنها، حيث أنّ الاحتضان الرمزي الذي يقدمه هذا “الترند”، يمثل شكلاً من أشكال الإعتراف بجراح الماضي، والسعي لتضميدها بلطف و وعي.

من الناحية العملية، كثير من الدراسات الحديثة تربط ما بين تجاهل الصدمات العاطفية في الطفولة و بروز القلق، الإكتئاب، وصعوبات العلاقات الإجتماعية في مرحلة البلوغ، لذلك فإن مشاهد عناق الطفولة المنتشرة على الإنترنت، رغم بساطتها، إلا أنها تحمل قيمة علاجية ضمنية، إذ تفتح الباب أمام الأفراد للتفكير في إحتياجاتهم غير المُشبَعة، وربما مسامحة أنفسهم على أخطاء أو لحظات ضعف ماضية.الأمر المثير أن هذا “الترند” تجاوز البُعد الفردي ليخلق مساحة جماعية للتعاطف، فالمتابعون حين يشاهدون مقاطع أو صوراً لأشخاص يحتضنون ذواتهم الصغيرة، يشعرون بدورهم بحاجة مشابهة، وكأن التجربة الإنسانية المشتركة تذكّر الجميع بأننا نحمل أطفالاً صغاراً بدواخلنا، ينتظرون الإنتباه، والتفهم والإعتراف بآلامهم الماضية المخزنة.

أما في واقعنا العربي، حيث ما زال الحديث عن الصحة النفسية في بداياته، و مازال بعيدا على أن يكون موضع تركيز و عناية،فإن مثل هذه المبادرات الرقمية، قد تفيد فقطفي تسليط الضوء على موضوعات، ظلت لوقت طويل في طي النسيان.

فالمصالحة مع الطفل الداخلي لا تعني الغرق في الحنين، بل هي دعوة لإعادة بناء علاقة صحية مع أنفسنا، كان لا بدّ لها أن تحدث في وقت مضى، تُمكِّننا من مواجهة تحديات الحياة بصلابة أكبر و وعي أعمق.

في النهاية، يمكن القول بأن هذا “الترند”، وإن بدا في ظاهره مجرد موجة إفتراضية، إلا أنه يعكس تحولاً ثقافياً مهماً، يتمثل في أهمية الإعتراف بأن الماضي جزء لا يتجزأ من الحاضر، وأن شفاء الروح يبدأ أحياناً من لحظة بسيطة كـ “عناق” نتخيله بيننا وبين نسخة طفولية من ذواتنا، ليمنحنا سلاماً داخلياً ينعكس على حاضرنا ومستقبلنا.

التعليقات مغلقة.