التطبيع و “التضبيع”

الانتفاضة // أيوب الرضواني

24 دقيقة من التصفيق في مهرجان البندقية السينمائي لفيلم “هند رجب”، تحية وتمجيدا وإكبار لطفلة فلسـ.ـطينية أطلق صرخات استغاثة دون قطرة رحمة من مـ.ـحتل غاصـ.ـب. موقف ذكرني بغياب تام لمن يسمون أنفسهم “فنانو المغرب” عن ساحة اتخاذ المواقف، وتسجيل الآراء.

بإستثناء مخرج مغربي الأصل “نبيل عيوش” رفع لافتة في مهرجان -خارج الوطن – يدعو لإيقاف الإبـ.ـادة، لم نسمع لا همسا ولا تلميحا لأي ممن يصنفون أنفسهم بفنانين مُبدعين، مُعبرين عن صوت البشرية، آمالها وأحلامها، حقوقها وطموحاته!!

قد يخرج عجل منفوخ الحِناك من هنا أو معزة تتقاضى بالكانزة من هناك لتردد عبارة لا تتبناها سوى بهيمة الأنعام، الذين يعيشون بالعلف دون شرف (وتلك فطرة لم يختاروها، عكس بهائمنا المُخيرين): وما شأن فنانينا بغـ.زة؟ دعنا فقط مع مصائبنا وقضايانا وحاجياتنا. ألم تعلم أن تـازة قبل غـ.ـزة؟

لا جواب لمثل هؤلاء العلوج، فهم كالخنازير يجتذبونك للوحل، فتتسخ أنت وهُم مُستمتعون.

نعود الآن لمن يتفاخر أغلبهم بتمثيل قيم البشرية من حرية وعدل وإخاء وتسامح. يلومونك إن انتقدت لباسا لتلك الممثلة، أو مشهدا ضد الأخلاق لذلك الممثل.

ينتفضون في وجهك مُذكرينك بأنهم يتشبتون بقيم كونية تهم كل البشر، قادمين برسالة لإخراج الناس من ظلمات التقاليد لنور الحداثة.

أينكم إذن من ظلم وقهر وإبـ.ـادة أهلنا في غـ.ـزة؟ أينكم من انتزاع الحق في الحياة لأطفال وشيوخ ونساء؟ أين أنتم من تفجـ.ـير الصغار وهم يبحثون عن شربة ماء؟ ما موقفكم من استهداف الصحفيين أبواق الحقيقة داخل خيام النازحين في محيط مشفى؟

أين إنسانيتكم من قنـ.ـص المجوعين المُنتظرين للمساعدات وكأنهم ألعاب للتسلية؟

أين الممثلات من حرمان مئات آلاف من نساء غزة من كل ما تحتاجه المرأة لقرابة عامين؟

أينكن من قصـ.ـف مراكز الإنجاب واستهداف الرأس والأرجل والأعضاء التنـ.ـاسلية لمئات آلاف النازحين والنازحات، فإن لم يمـ.ـوتوا جسدا عاشوا مـ.ـوتى بإعاقة حركية أو عقم أبدي؟

مئات الممثلين والممثلات، الأفلام والمسلسلات، المهرجانات والورشات، يلتهمون آلاف الملايين سنويا دعما من قوت الناس ليتكلموا ويمثلوا ما ينفع الناس، لم نسمع لهم صوتا ولو بالهمس، استنكارا وشجبا واحتجاجا على ما يمارس ضد البشرية وعلى مرأى ومسمع من العالم.

ثمن الصمت، كما هو ثمن الصياح عند فصيل “كلنا إسـ.ـرائيل” واحد معروف؛ العلف. الكل خائف على همزة عشرات مليارات الدعم وكعكة الأدوار الكثيرة في موسم رمضان. لا يستطيعون فتح فمهم بعبارة “اللـ.ـهم إن هذا منكر” خوف على بـ.زولة بلغت في شقيها التلفزيوني والإذاعي عام 2023 أكثر من 200 مليار سنتيم من المال العام. دون احتساب ما يقتطع من فواتير الماء والكهرباء دعما لقنوات القطب العمومي.

لو أن الكل، أو الأغلبية، حركوا ضمائرهم وصدعوا بصوت الحق، لما كان للحالب الإعلامي الأول “فيصل العرايشي” سلطة على أحد. بل وتغيرت قواعد اللعبة من الأساس بتعريض مغارة الدعم العمومي للحساب، وفتح المجال الفني أمام الخواص حيث الربح – ومن وراءه الجودة – هو المعيار، لا توجيه القطيع وإخماده بمال ضريبته.

ولكن، ولأن الأغلبية الساحقة جبانة أنانية لا تفكر إلا في رأسها – وكما معظم المجالات والفاعلين- يبقى ممثلونا يُمثلون علينا لا لنا، مُنشغلين بالحلب وبالتخطيط لموسم الحموضة، والتنسيق مع السيد فيصل على نسب توزيع واقتسام الأدوار. ولتذهب – في نظرهم – القيم الكونية إلى الجحيم، فالأهم علف الشمندر وسيكليم!

التعليقات مغلقة.