سوق الشغل الألماني يبرز المغرب كخزان لليد العاملة

الانتفاضة // إ . السوسي

لم تعد أزمة نقص اليد العاملة المؤهلة في ألمانيا مجرّد أرقام في تقارير إقتصادية مُعلنة، بل تحولت إلى تحدٍّ حقيقي، يدفع برلين إلى طرق أبواب بلدان أخرى بحثًا عن الكفاءات التي تشكل طلباً مُلحّاً، ليأتي المغرب في مقدمة هذه البلدان، وهو المصدر الذي بات يُنظر إليه كخزّانٍ بشريٍّ يزخر بكفاءات شابة، قادرة على الإندماج السريع في سوق العمل الأوروبية.

و على ما يبدو، فإن السوق الألمانية، وفق تقديرات رسمية، تفقد ما يصل إلى 400 ألف عامل سنويًا، و هو رقم ضخم، نتيجة للتوسع الكبير في شريحة المتقاعدين، مقابل ضعف انخراط اليد العاملة الشابة و الجديدة، ليشكّل بذلك هذا العجز تهديداً حقيقياً لقطاعات حيوية خاصة تلك التقنية منها، ما جعل شركات ألمانية تنخرط في برامج استقطاب مباشر من خارج البلاد، بشراكة مع الوكالة الفيدرالية للتشغيل ووكالات أخرى متخصصة.

وقد حظي المغرب باهتمام كبير و متزايد في ما  يخص هذا المسار، و ذلك لاعتبارات عدة، نذكر منها تقارب منظومته التعليمية مع متطلبات السوق الألمانية، إضافة إلى لتوفّر مختلف التكوينات التقنية و المهنية التي تؤهل الشباب المغاربة لشغل مناصب في مجالات حساسة، مع قدرة ملاحظة على الإندماج و التكيف مع بيئة العمل الأوروبية المختلفة، حيث و نتيجة لذلك، جرى خلال السنوات الأخيرة توقيع إتفاقيات عملية بين الحكومتين المغربية والألمانية، لتأطير الهجرة القانونية والحد من أشكال الهجرة غير النظامية.

ونجد من أبرز هذه الآليات برنامج “THAMM”، الذي يُشرف عليه كل من الوكالة الفيدرالية للعمل و الجمعية الألمانية للتعاون الدولي، و الذي يُموَّل من طرف وزارة التعاون الإقتصادي والتنمية الألمانية وصندوق الإتحاد الأوروبي الإفريقي، حيث يشمل البرنامج مسارًا متعدد المراحل يشمل دورات تكوينية في اللغة وتكوينًا تقنيًا، تهدف تأهيل  المرشحين للإندماج في سوق العمل الألمانية.

ولم يبقى هذا التعاون رهين حبر و ورق، إذ جرى بالفعل توظيف ما مجمله 400 كفاءة مغربية في كلّ من مجالي البناء والصناعة الكهربائية، و ذلك في إطار اتفاقية بين الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات بالمغرب، و وحدة التوظيف الدولية الألمانية، كما أطلقت غرفة التجارة والصناعة الألمانية برامج تدريب لفائدة شباب مغاربة في اختصاصات مثل تكنولوجيا المعادن، الميكانيكا الدقيقة، الميكانيكا الإنشائية، والميكانيكا الصناعية، و ذلك بواسطة شركات بمنطقتي “فرايبورغ” و “تريير”.

كما تقوم الوكالة الفيدرالية للتشغيل بدور الوساطة، بين ممثلي الشركات الألمانية والمرشحين المغاربة، ليس فقط عبر اختيار الملفات الأنسب، بل أيضًا من خلال تسهيل إجراءات التأشيرات، والمواكبة في إيجاد السكن وإنجاز المعاملات الإدارية، وهو ما يجعل عملية الإنتقال تصبح أكثر مرونة.

أخيراً يمكن القول بأنّ هذه الدينامية الجديدة، لا تُلبي فقط حاجة الإقتصاد الألماني إلى اليد العاملة، بل إنها تعكس أيضًا تحوّل المغرب إلى شريك إستراتيجي في مجال الهجرة المهنية المنظمة، مع ما يحمله ذلك من فرص للشباب الباحثين عن آفاق جديدة، في وقت يتسع فيه النقاش عالميًا، حول الهجرة بين شمال غني وجنوب يتصاعد بالكفاءات.

التعليقات مغلقة.