الانتفاضة
في إنجاز حديث، تمكن فريق من الباحثين المغاربة بالتعاون مع زملاء دوليين من تحقيق إنجاز علمي رائد، يتمثل في فك الشيفرة الجينية الكاملة لشجرة الأركان، وإعداد أول جينوم مرجعي شامل لهذا النوع النباتي الفريد.
ويأتي هذا الإنجاز كنتيجة لثلاث سنوات من البحث المتواصل، حيث وفّرت الدراسة، التي نشرتها مجلة “Nature”، خريطة دقيقة للكروموسومات والجينات المسؤولة عن الخصائص الوراثية المميزة لزيت الأركان، مع تحديد عدد الكروموسومات بـ11 كروموسوماً، وما يقارب 28 ألف جين مشفر للبروتينات، وسط تسلسلات متكررة، تشكل نحو 60 في المائة من الجينوم.
ويعتبر هذا العمل مرجعاً أساسياً لفهم تطور شجرة الأركان الشهيرة عالمياً، و مدى قدرتها على التكيف مع التغيرات البيئية، فضلاً عن دوره الحيوي في دعم الإقتصاد المحلي والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية في مناطق انتشارها الطبيعية جنوب غرب المغرب.
و قد اعتمد الفريق البحثي على عينات أوراق تم جمعها من محمية الأركاناريا، المصنفة ضمن مواقع التراث الطبيعي لليونسكو، على الحدود الشمالية للمحمية قرب الطريق الوطنية رقم 207 شرق الصويرة، حيث تمت عملية التحليل الجيني باستخدام تقنيات تسلسل هجينة، جمعت بين القراءة الطويلة (PacBio) وبيانات التوافق الكروماتيني (Hi-C)، ما مكن الباحثين من استخراج الحمض النووي الجينومي بدقة عالية، وإعداد خريطة شاملة من “التيلومير إلى التيلومير”، و هو النهج العلمي الذي أتاح تحديد الجينات المسؤولة عن الخصائص الحيوية لشجرة الأركان، ما مكّن من فهمٍ أعمق لتطورها، وقدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية.
وتشير الدراسة إلى أن شجرة الأركان، التي تنتمي إلى فصيلة الـSapotaceae، تحتوي على بذور غنية بزيت غذائي وتجميلي فريد، فضلا عن كونه مورداً إقتصادياً مهماً لآلاف الأسر المغربية، خاصة النساء اللواتي يشاركن في سلسلة الإنتاج التقليدية على مستوى التعاونيات.
كما أن الشجرة تلعب دوراً بيئياً محورياً في مقاومة التصحر والحفاظ على التوازنات الإيكولوجية في مناطق انتشارها، الأمر الذي يجعل الحفاظ عليها واستثمار الجينوم المرجعي لها، أمراً حيوياً للأجيال القادمة.
وسلطت الدراسة الضوء على التحديات البيئية التي تواجه الأركان، بما في ذلك ارتفاع درجات الحرارة وفترات الجفاف الطويلة، إلى جانب الرعي الجائر للماعز والضغط المتزايد على الأراضي الزراعية، حيث و مع ذلك، فإن مجرّد توفير جينوم مرجعي دقيق، يشكل أداة قوية لدعم برامج الإنتقاء الوراثي المستهدف، وتحسين مقاومة الأركان لهذه الضغوط المختلفة.
ويُعد هذا الإنجاز استكمالاً لمسار طويل من الأبحاث التي أجرتها مؤسسات وطنية ودولية، حيث كان الفريق المغربي جزءاً من مشاريع سابقة شملت المسودة الأولية لجينوم الأركان، وخريطة مرجعية جزئية، إضافة إلى الجينومات الكاملة للميتوكندريا والبلاستيدات الخضراء، كما ساهمت المؤشرات الجزيئية مثل SSR وAFLP في دراسة التنوع الوراثي بين التجمعات المختلفة، ما وفر أساساً صلباً لإعداد خريطة جينومية كاملة.
أخيرا و فضلا عن الأهمية العلمية، فإنّ هذا الإنجاز، يحمل أبعاداً إقتصادية و إستراتيجية واعدة للمغرب، حيث يمثل زيت الأركان مورداً رئيسياً لمئات التعاونيات النسائية، ويعزز في الوقت ذاته من الإقتصاد المحلي في مناطق جنوب غرب البلاد، كما يوفر فرصة سانحة لتعزيز استدامة الإنتاج والحفاظ على البيئة، فضلاً عن تمكين الباحثين من فهم تطور النباتات وتكيفها مع الظروف المناخية المستقبلية.
التعليقات مغلقة.