الثراء المفرط في النرويج و فقدان الشغف !

الانتفاضة // إلهام أوكادير

في قصة مثيرة، و لحظة فارقة من عام 1969، وبينما كانت النرويج تتهيّأ لطي صفحة آمالها النفطية، إصطدمت أدوات الحفر الأخيرة لشركة “فيليبس بتروليوم” بكنز ثمين تحت الجرف القاري، قلَب معادلات البلاد رأسًا على عقب.

فهذا الاكتشاف لم يكن مجرّد بئر نفط، بل بدايةً قوية لمسار، جعل من النرويج واحدة من أغنى دول العالم، وأسّس لصندوق سيادي حكومي صار اليوم الأكبر عالميًا، بقيمة تناهز تريليوني دولار.

لكن هذا الثراء، الذي بدا يومًا ما نموذجًا يُحتذى به، أضحى اليوم موضع تساؤل وقلق متزايدين في أوساط الخبراء والمواطنين على حد سواء.

فوسط رفاهية إجتماعية لا مثيل لها، ونسب بطالة منخفضة، ودين عام يكاد يُذكر، بدأت تطفو على السطح إشارات تشي، بأن الإفراط في الوفرة قد يكون له ثمن باهظ و نتائج سيئة.

فكتاب “الدولة التي أصبحت غنية أكثر من اللازم”، الذي أصدره الإقتصادي والمستشار السابق في “ماكينزي” “مارتن بيك هولته”، فجّر نقاشًا واسعًا في النرويج، برأيه المثير للجدل: ” الثروة لم تعزز الحيوية الإقتصادية، بل روّضت الطموح، وجعلت المؤسسات متّخمة بالمال ومجردة من الرؤية”، و هو بقوله هذا لا يُدين المال بحد ذاته، بل طريقة الإنفاق والإدارة.

فهدر المال في مشاريع كبرى بدون جدوى إقتصادية واضحة كان أحد أبرز إنتقاذاته، من خطوط مترو مُكلفة إلى تجارب لالتقاط الكربون باهظة الثمن، بالإضافة لسياسات ضريبية تشجع الإستهلاك والإقتراض بدلًا من الإدخار، أوصلت الدَّين الأسري إلى مستويات قياسية، تفوق %220 من متوسط الدخل السنوي، و هو الأعلى ضمن دول منظمة التعاون والتنمية.

وفيما وصف “هولته” الواقع بـ “الإقتصاد الكسول”، لم يمر كلامه دون ردّ، إذ اعتبر رئيس البنك المركزي السابق، أنّ الكتاب متحيّز ويغفل التأثيرات الخارجية على بلد صغير ومنفتح مثل النرويج، إلا أنّ خبراء آخرين، وجدوا في طرحه مرآة لقلق شعبي حقيقي، حتى وإن شابه بعض المبالغة.

ومع أن الدولة تنفق ما يزيد عن 20 ألف دولار سنويًا على كل طالب، وهو من أعلى المعدلات عالميًا، إلا أنّ نتائج التعليم تشهد تراجعًا مستمرًا.

ومن المؤشرات اللافتة أيضًا، إرتفاع معدلات الإجازات المرضية المدفوعة بالكامل، بمتوسط 27.5 يومًا للفرد سنويًا، ما يكلف خزينة الدولة ما يقارب %8 من الناتج المحلي، وهو رقم يتجاوز المعدلات الأوروبية بأشواط.

لكن الأزمة الأكبر في النرويج، تكمن في تباطؤ نمو الإنتاجية، وتراجع معدلات الإبتكار، وتقلّص الإستثمارات في البحث والتطوير، خصوصًا منذ جائحة كوفيد-19، إذ أن تمويل المشاريع الناشئة اليوم، بلغ أدنى مستوياته، فيما بدأت بعض رؤوس الأموال تغادر البلاد، وسط إنتقادات لسياسات ضريبية تُعاقب النجاح، على حد تعبير رجال أعمال إنتقلوا إلى سويسرا.

ورغم أن قطاع النفط والغاز ما يزال مُحركًا إقتصاديًا مهمًا – يمثل أكثر من خمس الناتج المحلي ويشغل مئات الآلاف – فإن مستقبله بات غامضًا، خاصة مع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، مما يفرض على النرويج تحديات وجودية تتجاوز وفرة الموارد، إلى كيفية إستثمارها في بناء إقتصاد مستدام.

فتجربة النرويج، كما خلُص تقرير “بلومبيرغ”، تمثل درسًا عميقًا: الثراء وحده لا يصنع المجد، وإدارة الثروة قد تكون التحدي الأكبر بعد تكوينها.

ففي عالم يتغير بسرعة، حتى الدول الغنية قد تجد نفسها في مواجهة السؤال الأصعب: كيف نحافظ على النجاح دون أن يُفقدنا بريقه القدرة على التجدد؟، لتبقى بذلك النرويج بلدا مُمثلا لمعادلة الثراء، لطالما تمناها الكثيرون، إلّا أنّ الوجه الآخر لعملة هذا المجد، تجعلنا نتوقف لوقت طويل لنفكر و نقول، كيف يعقل أن يحدث ذلك؟

التعليقات مغلقة.