بين التعدد وزواج القاصرات: متى يفهم يونس دافقير الفرق بين الحكم الشرعي والتطبيق الواقعي؟

الانتفاضة // بقلم: حميد قاسمي

إلى (الصحفي) يونس دافقير،

كفاك استهزاءً وسخريةً من العلماء الأجلاء، وكفاك تضليلاً للرأي العام. إن التعامل مع القضايا الشرعية بمنطق التجريح والسخرية لا يخدم النقاش الجاد، بل يختزله في مستوى سطحي لا يليق بالإعلام، ولا يرقى إلى مستوى التنوير الذي تدّعي الانتماء إليه.

بالنسبة لمسألة زواج فتاة في سن التاسعة، وجب عليك أن تفهم أن أحداً في زماننا هذا، ومهما بلغ به التعصب أو التشدّد، لا يمكن أن يزوّج ابنته في هذا السن، حتى لو كان يعيش في قرية نائية. الزمن قد تغيّر، والواقع الاجتماعي اليوم يفرض ضوابط وعوامل نفسية وصحية وتربوية لا يمكن تجاوزها. لكن، من الناحية الشرعية البحتة، يحق للفقيه أو العالم أن يبيّن الحكم المجرد كما ورد في النصوص، دون أن يكون ذلك دعوة منه لتطبيقه أو اعتماد هذا السن معياراً صالحاً للزواج في الواقع المعاصر.

العالم لا يزوّج ابنته بناء على حكم فقهي عام، بل على تقدير شخصي لمصلحتها وظروفها. وإن سألته أن يزوجك ابنته وهي في سن الرشد أي في السن الثامن عشر كما هو محدد في مدونة الأسرة، فسيعتذر منك على الأرجح، لا لأن الحكم الفقهي باطل، بل لأن التطبيق يخضع لظروف الواقع ومصالح الأسرة، وهذا ما يعلمه كل عاقل.

حتى في مسألة التعدد، التي تعتبرها مدخلاً للتهجم، فإن العلماء يبيّنون جوازها من الناحية الشرعية، ولكن جلّهم يعيشون مع زوجة واحدة، لا عن ضعف أو عجز، ولكن لأن التعدد ليس واجباً ولا مستحباً في ذاته، بل هو رخصة مشروطة بضوابط دقيقة.

خطابك، كما يظهر في تدويناتك الأخيرة، بات مستهلكاً ومكرّراً، وهو لا يخدم القارئ المتابع، بل يسيء إلى صورة الصحافة الجادة. إن كنت فعلاً تبحث عن مواجهة مخالفيك في الفكر، فاضربهم بالعلم والحجة والمعرفة، أما أسلوب التهكم فلن يزيدك إلا صغاراً في عيون من ينتظرون منك طرحاً رصيناً.

الجدل حول المسائل الشرعية ينبغي أن يُبنى على التفهّم والنقاش العلمي الرصين، لا على إطلاق الأوصاف وتسفيه أهل العلم، فإن كانوا مخطئين فبيّن خطأهم بالحجة، لا بالتهكّم، لأن من يستسهل السخرية يعجز عن الإقناع.

خلاصة القول، الرأي لا يكون تنويرياً حين يغيب عنه الاحترام، وحين يتحوّل إلى حملة دائمة على المخالفين، سواء كانوا فقهاء أو مفكرين أو مراجع علمية، لأن التنوير الحقيقي لا ينمو في بيئة الإقصاء، بل في فضاء التعدد و إحترام الرأي والرأي الآخر.

التعليقات مغلقة.