الانتفاضة // إلهام أوكادير
عرفت وضعية المرأة المغربية، باعتبارها رهانا مجتمعيا هاما، ليس فقط على المستوى المحلي، بل وكذا الدولي، تحولات جوهرية خلال العقود الأخيرة، تمثلت في سلسلة من المكتسبات القانونية وكذا الحقوقية، التي شكلت إنعكاسًا مباشرا لجهود الدولة والمجتمع، بُغية ترسيخ قيم المساواة والكرامة والعدالة الإجتماعية، على نحو التوجه الملكي، الذي دعت إليه برامج الإصلاح الإجتماعية.
فهذه التحولات لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لنضال طويل خاضته مختلف الحركات النسائية، و لنداءات متواصلة، عبرت عنها مختلف الفئات المجتمعية، و تفاعلت معها الدولة، عبر التشريعات المستجدة أحيانا، و المُعدَّلة أحياناً أخرى، و كذا الالتزامات الدستورية.

في صلب هذا المسار، شكل دستور 2011 محطة مفصلية، حيث كرس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ومنح للإتفاقيات الدولية مكانة سامية على التشريعات الوطنية، لنخُص هنا بالذكر لا الحصر، الفصل 19 من الدستور المغربي، الذي أقر صراحة حق النساء في التمتع بالمساواة الكاملة مع الرجال، مع إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز، وهو التوجه الدستوري، الذي تم إرفاقه بمجموعة من المبادرات التشريعية والتنظيمية، التي عززت من الحماية القانونية للنساء في شتى المجالات.ولن يفوتنا ذِكر ما تم طرحه بداية من تحولات إصلاحية، همت نواة مدونة الأسرة سنة 2004، والتي أحدثت ثورة هائلة في عمق العلاقات الأسرية، إذ تم رفع سن الزواج إلى 18 سنة، بالإضافة لتقييد طلبات تعدد الزوجات بشروط صارمة، و منح المرأة حق الترافع أمام القضاء في قضايا الطلاق والخلع، فضلًا عن تقوية مركزها كحاضنة مُفترضة للأطفال خاصة في مجتمعنا، كما أُعيد النظر في التوازن الحاصل داخل الأسرة، من خلال مبدأ التشارك في المسؤوليات بين الزوجين، بعدما كان القانون يمنح سلطة القرار فقط للزوج.
وقد تواصلت هذه الدينامية الإيجابية كذلك، مع إصدار القانون رقم ،103.13، المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018، وهو النص الذي أُعتُبر طفرة تشريعية، كونه أول قانون يُعرّف العنف ضد المرأة بأبعاده المختلفة، ويوفر تدابير حمائية للضحايا، سواء تعلق الأمر بالعنف الجسدي، أو النفسي، أو الإقتصادي، بل و حتى الجنسي، بما في ذلك التحرش في الأماكن العامة، كما تم إحداث آلية مؤسساتية لحماية الضحايا، عبر خلايا التكفل بالنساء في المحاكم، المستشفيات، وكذا مراكز الشرطة.

غير أن المكاسب القانونية – و رغم وجاهتها – تظل رهينة بمدى نجاعة السياسات العمومية، في تحويل النصوص إلى واقع معاش، لتطفو هنا أزمة التطبيق إلى السطح، والتي تُعبِّر في كثير من الأحيان، عن الفجوة القائمة بين التشريع وصدق الممارسة، و عن ضرورة مرافقة الإصلاح القانوني بإصلاحات مؤسساتية موازية، تُعيد تشكيل الوعي المجتمعي، نحو إدراكٍ أكثر عمقًا لمفهوم المساواة، بعيدًا عن القراءات النمطية أو المحافِظة للنصوص الدينية والثقافية، و هو الركن الأهم و الحاسم، الذي مازال يعرف تحفُّظا عميقا.وفي عرضٍ موجز لأهم المكتسبات السياسية، نجد أن المرأة قد إستفادت بداية من نظام التمييز الإيجابي (الكوطا)، الذي مكنها من ضمان نسبة تمثيليتها، و ولوج المجالس المنتخبة، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، ما أدى إلى تطور ملحوظ في تمثيلية النساء داخل البرلمان، حيث تجاوزت نسبتهن %24 في مجلس النواب خلال الولاية التشريعية الأخيرة، كما شهد المغرب تعيين عدد من النساء في مناصب سامية و وزارية، بما في ذلك حقائب كانت حكرًا تقليديًا على الرجال، في إشارة واضحة إلى الإرادة السياسية الحقيقية، للدفع بالعنصر النسوي نحو مراكز القرار.
أما على مستوى الحقوق الإقتصادية والإجتماعية، فقد وُضعت سياسات عمومية تراعي مقاربة النوع، ونذكر منها الإستراتيجية الوطنية للتمكين الإقتصادي للنساء
(2020-2030)، التي تهدف إلى رفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من %30، وتعزيز إستقلاليتهن المالية، والحد من الفوارق النوعية التي تتعرض لها النساء في سوق الشغل.

كما عملت الدولة على تطوير برامج موجَّهة للنساء في وضعية هشاشة، كدعم الأرامل وتمويل مشاريع النساء المقاولات، مع إيلاء أهمية خاصة للنساء القرويات، بهدف الرفع من قدراتهن الإنتاجية والمعيشية، عبر مختلف البرامج التنموية التي همت العالم القروي.ورغم هذه التراكمات، إلا أنه لا تزال هناك تحديات ملموسة تعيق ترجمة تلك المكتسبات إلى واقع فعلي، منها ضعف التفعيل القضائي لبعض النصوص القانونية، و استمرار بعض الممارسات الإجتماعية التي تُكرس التمييز، فضلًا عن الفجوة الإقتصادية، التي تعاني منها النساء مقارنة بالرجال.
إلا أنّ المغرب، وباعترافِ تقاريرَ دولية كصندوق الأمم المتحدة الإنمائي والبنك الدولي، يسير بخطى ثابتة، نحو تقوية مكانة المرأة ضمن مشروع التنمية الشاملة، مدعومًا بإرادة سياسية وتعبئة مجتمعية متزايدة.
وهكذا، تبقى تجربة المرأة المغربية مثالًا حيّاً، عن كيف يمكن لبلد محافظ أن يُنجز إصلاحات عميقة، دون تصادم مع خصوصيته الثقافية والدينية، بل و جعلها رافعة للحداثة المتّزنة والتقدم المستدام.
وأخيراً، تبرز هنا الحاجة إلى قراءة نقدية، واقعية، و متوازنة للمنجزات، دون إنكار التقدم، ولكن أيضاً دون تجميل للواقع، فالمرأة المغربية ليست فقط موضوعاً للحماية وهو ما عهدناه سابقاً، بل فاعلاً مركزياً و حيوياً في التنمية، ما يقتضي تهيئة المناخ التشريعي والثقافي والمؤسساتي المناسب و القابل للتطبيق، و الذي يحرّر طاقاتها الإبداعية ويكرّس حضورها، لا كمكمل، بل كشريك حقيقي في بناء مغرب العدالة والكرامة والحداثة.
التعليقات مغلقة.