الانتفاضة // حسن المولوع
أنا على يقين تام، بل على درجة من الإيمان لا تحتمل الشك، أن الأستاذ محمد البريني، مؤسس الأحداث المغربية، يتحسر كل صباح على ما آلت إليه الجريدة التي أطلقها بروح النضال، وقلم المثقف، وعقل المؤسس…
أقولها هذا الكلام بكل وضوح لأن الجريدة كانت بالنسبة له ليست مشروعا مهنيا عابرا، بل فلذة كبده، جعل منها مدرسة إعلامية، خريجوها اليوم يملؤون القنوات والمواقع ويقودون الرأي العام بكفاءة.
لكن اليوم، من يطالع “الأحداث” لا يجد إلا ظلها، مجرد كائن ورقي هزيل، يئن تحت وطأة الارتجال والجهل المهني. ومن يديرها اليوم ليس سوى مدير نشر بالتقادم، يركب موجة الصدفة لا الاستحقاق، رجل لا يملك القدرة على تنظيم جريدته الداخلية،
ومع ذلك يتجرأ على الحديث عن تنظيم قطاع الصحافة بأكمله أليس هذا هو قمة العبث؟ قمة الغرور الفارغ؟ و المضحك والمبكي في الآن نفسه أن المختار لغزيوي يحاضر ويتفلسف حول أخلاقيات المهنة، وهو الذي لم يستطع حتى تطوير صفحته الفيسبوكية، فكيف بالله عليه سيتولى “تطوير” قطاع بأكمله؟
إنها مأساة حقيقية حين تتحول جريدة كانت في مقدمة الجرائد الوطنية، إلى ما يشبه الملحق الإشهاري، أو ورقة بلا طعم في مقهى عمومي.
“الأحداث” التي كانت تُنافس وتُقَارع الكبار، أصبحت اليوم تتذيل الترتيب المهني والاعتباري، ليس فقط على مستوى التأثير، بل حتى على مستوى الحضور والمضمون والهوية.
ولعل ما يؤكد عمق الأزمة هو أن الأستاذ البريني نفسه، الذي عرف عنه حرصه الشديد على نظافة اليد واستقلالية الخط، قرر الانسحاب من مهزلة ما يسمى بالمجلس الوطني للصحافة منذ لحظة التأسيس، لأنه فهم مبكرا أن الأمور تتجه نحو الرداءة والتواطؤ، وأن الكائنات الورقية ستُعطى حق تقرير مصير الكلمة الحرة، في ظل صمت الكبار، وتواطؤ من وجدوا في الفوضى سوقا للربح السريع.
محمد البريني اليوم، وهو يرى من بعيد “وليده المهني” يُختطف، ويتحول إلى أداة رخيصة بيد من لا تاريخ لهم، ولا مشروع ولا أدب ولا أخلاق مهنة، يدرك أن صمته أصبح أثقل من الكلمات، وأن الاختطاف لم يكن فقط للورق، بل لرسالة بأكملها.
الذين حوّلوا الأحداث المغربية من جريدة إلى مسخ، لن يستطيعوا قيادة مهنة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
ومن لم يستطع حماية اسم مؤسسة واحدة، لا يحق له أن يتحدث عن إصلاح قطاع برمّته.
الصحافة لا تُدار بمنشورات فيسبوك، ولا بشعارات جوفاء، ولا بخطب من لا يستطيع تحرير افتتاحية واحدة بكرامة لغوية ومهنية..والجمهور قد يغفر الخطأ، لكنه لا يغفر الاستخفاف.
نحن نعرف من أسّس، ومن بنى، ومن صنع الأمل في الصحافة المغربية..ونعرف من جاء على الأطلال، يلهو برماد الرسالة، ويكتب المجد على ورق مبتلّ بالإعلانات.
التعليقات مغلقة.