فقيه شوف تيفي… يُبشّر بالسجن بدل الجنة

الانتفاضة // حميد قاسمي

يا فقيه شوف تيفي، أما كان لك في المحن السابقة عظةٌ واعتبار؟

لقد بلغنا – بكثير من الأسف والاستغراب – مضمون تدوينتكم التي تدعون فيها، تصريحًا أو تلميحًا، إلى سجن الصحفي حميد المهداوي، وكأن الدعوة إلى سلب الحرية أصبحت موقفًا مشروعًا، والشماتة أصبحت سبيلاً لتصفية الخلافات.
وإنه لمن المؤلم – بل من المحيّر – أن تصدر مثل هذه الدعوات ممن جرّب قسوة القضبان، وذاق مرارة الزنزانة، واشتكى إلى ربه ظلم السجن، ورفع كفيه طالبًا الفرج والرحمة، لا الانتقام والخصومة.

لقد كان من سلفنا الصالح من إذا ظُلم، دعا لظالمه بالهداية لا بالهلاك، ورفع قدر خصمه عند الله بالدعاء لا بالشكاية. رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه لما مرض أحد جلّاديه بكى، وقال: “اللهم اغفر له، فقد جهل”.
وهكذا يكون صاحب القلب الحيّ، الذي لا تقتل المحنة في نفسه مكارم الأخلاق، ولا تنزع عنه صفة الإنسانية.

يا فقيه شوف تيفي،
أما تذكّركم دعوتكم القاسية هذه بما كنتم تناجون الله أن يرفعه عنكم؟ ..

أما سألتم أنفسكم: ما ذنب أبنائه؟ ..

وما مصير زوجته؟ ..

وكيف يكون حال والدَيه إن وقع ما تمنيتموه؟ ..

هل يليق بمن حمل في صدره كلام الله عز وجل أو وقف يومًا فوق المنبر يخطب فالناس عن مكارم الأخلاق، أن يتمنّى للناس الضيق بعد السعة، والسجن بعد الحرية؟
أي قلب هذا الذي يتمنى الزجّ بإنسان خلف القضبان، لا لشيء إلا لأنه عبّر عن رأي لم يوافق رؤيتكم؟ ..

أين أنتم من قول الله عز وجل:
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}
وقوله تعالى:
{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؟

وإن كان الصحفي حميد المهداوي قد أخطأ في رأيٍ أو موقف، فهل السجن هو السبيل إلى الردّ على الرأي؟ ..

وهل الشماتة مدخلٌ إلى الإصلاح؟ ..

وهل الدعوة إلى العقوبة مما تقتضيه ذرة من الإيمان والأخلاق؟ .

يا فقيه شوف تيفي،
إن دعوتكم تلك لا تعبّر عن موقف علمي، ولا تمثّل روح الدعوة، ولا تصدر عن رجل يُنتظر منه الرفق والاعتدال، بل هي زلّة عظيمة، تكرّس منطق التشفي، وتزرع في النفوس الكراهية.

وإننا، إذ نذكّركم ونعاتبكم، فلسنا نطلب منكم ردًا أو جدالاً، وإنما نبادر إلى هذا من باب الواجب الأخلاقي والمسؤولية المجتمعية، ومن منطلق النصيحة التي أمر بها ديننا الحنيف، لعلّ في قلوبكم بقية من نور، توقظها كلمة صادقة، وتعيدها إلى جادة الصواب

يا فقيه شوف تيفي،
من ذاق السجن، لا يدعو به.
ومن عرف الألم، لا يتمناه لغيره.
ومن قرأ القرآن حقّ قراءته، لا يجعل لسانه سلاحًا يطعن به المختلفين معه.

وإننا، رغم اختلافنا مع الصحفي حميد المهداوي في بعض المواقف والآراء، نعلن تضامننا معه في وجه الدعوة إلى الظلم، وندعو الله أن يحفظه ويحفظ أسرته من كل سوء.
كما ندعو لكم أن يرزقكم الله بصيرةً في القول، وتوفيقًا في الفعل، وهدايةً تردّكم إلى رشدكم…

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}.

التعليقات مغلقة.