المحاماة .. “الضمير المسؤول” للمجتمع

الانتفاضة // مصطفى الفن

قرأت، قبل قليل، البيان العام الذي أصدرته جمعية هيئات المحامين بالمغرب عقب مؤتمرهم الوطني الذي استضافته هيئة طنجة قبل أيام..

وقبل أن أعلق على هذا البيان، دعوني أذكر بأن هذه المحطة التنظيمية، لهذا الجسم المهني غير العادي، حضرها أكثر من 1240 مؤتمرا ومؤتمرة من أصحاب البدلة السوداء..

كما حضر، هذه المحطة، مسؤولون قضائيون كبار وحضرها وزير العدل وحضرها ضيوف من داخل المغرب ومن خارجه..

ولا أعرف لم “غاب” وزير الداخلية عن هذا المؤتمر الوطني العام للمحامين المغاربة؟!..

وأنا هنا لا أمزح..

ثم ما العيب في حضور وزير الداخلية طالما أن نقباء ومحامين كبارا في هذه الجمعية لم يعودوا يجدون أي حرج في أن يدافعوا عن الداخلية ضد بسطاء الناس من الشعب!..

ولن أذكر هنا أسماء بعينها حتى لا نسقط في الشخصنة..

والحال أننا نناقش فكرة في مسار مهنة كانت دائما هي “الضمير المسؤول” للمجتمع..

وكانت دائما هي المدافعة عن قضايا المجتمع بقوة وبشراسة إلى حد “التصوف”..

وهذه مناسبة لأستحضر أيضا كيف “انتفض” الراحل عبد الرحمن اليوسفي، ذات يوم، داخل المكتب السياسي للاتحاد دفاعا عن المعنى في مهنة المحاماة..

حصل هذا عندما بلغ إلى علم اليوسفي أن اتحاديا كبيرا يترأس الفريق النيابي للحزب سجل نيابته ليدافع، وقتها، عن بارون الاتجار الدولي في المخدرات منير الرماش..

ولا يهم أن أروي باقي تفاصيل هذه القصة..

لكن الذي وقع هو أن المحامي الاتحادي اضطر إلى سحب نيابته عن بارون المخدرات الرماش بعد “انتفاضة” اليوسفي في وجهه..

أغلق هذا القوس وأعود سريعا إلى بيان الجمعية “البارد والسارد” والذي ليس فيه أي موقف “ساخن” من أي قضية من قضايا الداخل أو الخارج..

كما أن هذا البيان خلا أيضا من أي نفس نقدي جدي إزاء هذا المسار التشريعي الجاري ببلادنا..

وربما يمكن القول أيضا إن جمعية هيئات المحامين، التي عارضت السياسة الجنائية للراحل الحسن الثاني، تكاد تشيد وتتماهى، اليوم، مع الكثير من “التراجعات” التي حبل بها قطاع العدالة..

كما أني لم أفهم أيضا كيف أن جمعية تمثل قرابة 20 ألف محام ونقيب لم تستطع أن تخصص ولو سطر واحد تطالب فيه بالعفو الملكي الكريم على نقيب لهم وزميل لهم..

نعم لم يستطعيوا أن يفعلوا ذلك رغم أن هذا النقيب تجاوز 83 سنة من العمر ووارد جدا أن يموت في أي لحظة داخل السجن..

حصل هذا كما لو أننا أمام جمعية للعبة الشطرنج أو الكرة الحديدية أو كرة السلة ولسنا أمام جمعية محامين دافعت عن الحرية وعن المحاكمة العادلة حتى في الأوقات الصعبة..

كما أن بيان الجمعية تحدث بكيفية غامضة عن بعض القضايا القومية التي تتطلب الكثير من الوضوح..

وسأضرب هنا المثل بقضية “العدوان الإصرااااائيييييلي ” الجاري بغززززززة وبفلSطيننن..

فرغم أن البيان خصص بعض الكلام العاطفي والانطباعي إلى هذه القضية وهو الكلام الذي ردده حتى التجمع الوطني للأحرار وحزب البام إلا أن الجمعية توقفت في منتصف الطريق..

أقصد أن الجمعية لم تنتج أي موقف ولم تحدد موقعها من طبيعة هذا الصراع مع “العدو” ولم تقل لنا هل هي مع “التطبيع” أم ضد التطبيع” أم أن هذه الأشياء لا تهمها؟..

كما أن الجمعية لم تقل لنا أيضا هل هي مع إغلاق مكتب “العدو” أم هي مع فتحه؟..

أم أن هذه الجمعية اختارت أن تبقى في منزلة بين المنزلتين مثلما فعل المعتزلة في تاريخنا مع “مرتكب الكبيرة”؟!..

الذي نعرف جميعا أن هذه الجمعية ارتبط اسمها، تاريخيا، بالاشتباك مع السلطوية وبالدفاع عن الحرية وبالدفاع عن المظلومين وبالدفاع عن حقوق الإنسان..

وارتبط اسمها تاريخيا أيضا بما هو أكثر من ذلك وهو الدعوة إلى إصلاحات دستورية ومؤسساتية عبر ما كانت تسميه “مجالس تأسيسية”..

لكن جمعية بهذا التاريخ، ها هي اليوم، تبدو كما لو أنها أدارت الظهر لكل شيء وبدأت من الصفر..

طبعا لن أقول إن مهنة المحاماة تعيش حاليا “أسوأ” سنواتها..

لكن ثمة “ضبابية” تحجب الرؤية وثمة معضلة آلاف المحامين بدون مكاتب وربما لا شيء يلوح في الأفق على أن الآتي أجمل..

التعليقات مغلقة.