الانتفاضة //الحجوي محمد
في صمتٍ مخيف، تنهار أحلام آلاف الأطفال داخل جدران المدرسة التي يفترض أن تكون ملاذاً آمناً للتعلم والإبداع. فبدلاً من الأقلام والكتب، يرفع بعض التلاميذ قبضاتهم وألفاظهم البذيئة، محوّلين الفضاء التربوي إلى بيئة موبوءة بالعنف بكل أشكاله: الجسدي بالضرب المبرح، واللفظي بالشتائم والتحقير، والنفسي بالإذلال والاستهزاء، بل والمادي بالإهمال والحرمان.
لم تظهر هذه الظاهرة الخطيرة من فراغ، بل هي نتاج تراكمات تبدأ من داخل الأسرة حيث التفكك وسوء العلاقات وأساليب التنشئة الخاطئة بين الشدة المفرطة والدلال الزائد، ثم تمتد إلى رفاق السوء وتأثير وسائل الإعلام التي تروج للعنف كحل سحري لكل مشكلة. يضاف إلى ذلك شعور بعض التلاميذ بالنقص دراسياً أو اقتصادياً أو جسدياً، فيلجؤون إلى العدوانية كغطاء لهشاشتهم النفسية.
الآلام لا تتوقف عند الضحية فقط، بل تمتد إلى الفصل الدراسي بأكمله. فالعنف يولد التلاميذ اللامبالين، العصبيين، المنعزلين، الذين يفقدون تركيزهم وقدرتهم على التحصيل، فتتدهور علاماتهم، ويزداد غيابهم، حتى منهم من يصل إلى الهدر المدرسي الكامل. كما يلوث الجو العام للمدرسة بالخوف والاكتئاب وانعدام الثقة.
أما الحل فهو مسؤولية الجميع، تبدأ من الأسرة التي يجب أن تربي أبناءها على الحوار لا القبضة، وتعزز ثقتهم بأنفسهم دون إفراط أو تفريط. وتليها الإدارة المدرسية التي تخلق مناخاً ديمقراطياً، وتطبق القوانين بعدالة، وتوفر الأنشطة التربوية لتصريف الطاقات السلبية.
أما المعلم، فهو القريب الأكثر تأثيراً، مطالب بضبط نفسه أولاً، والمساواة بين التلاميذ، وتجنب التوبيخ العلني الذي يولد الكراهية. وفي الخط الأمامي يقف المرشد الاجتماعي ليرصد الحالات، ويصمم برامج وقاعية، ويعيد تأهيل العدوانيين بهدوء واحترافية.
الخلاصة أن المدرسة ليست بديلاً عن الأسرة، لكنها شريك فاعل في إنقاذ الطفل من بيئته إن كانت سامة. فالعنف المدرسي جريمة صامتة تهدد مستقبل الأمة، ومواجهتها تتطلب وعياً جماعياً وإرادة صادقة لاستعادة المدرسة كفضاء للحياة لا للموت النفسي.