هل إندثرت “عيب” من واقعنا؟

الانتفاضة // علاء جلال

“عيب” كلمة احتوت في حروفها القليلة معاني كبرى، كانت كالرقيب الذي يسكن في عقولنا، يوجهنا نحو الصواب، ويبعدنا عن الخطأ تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا، وكانت بمثابة الحارس الذي يمنعنا من الاقتراب من المحرمات أو المخالفات للعادات والتقاليد. حين كنا نقترب من فعل قبيح، سواء كان مخالفًا للدين أو منافياً للحياء، كانت كلمة “عيب” تتردد في آذاننا كجرس إنذار يُعيدنا إلى رشدنا.
لم تكن “عيب” مجرد كلمة، بل كانت حاجزًا نفسيًا يحفظ الإنسان من التمادي في الأخطاء كثيرًا ما كنا نسمعها من آبائنا وأمهاتنا، خاصة عندما كنا نحاول كسر القيود أو استكشاف المجهول بلا وعي كلمة “عيب” كانت تساوي “حرام” في وعينا الطفولي، مما جعلنا نخشى التصرف بما يخالف المروءة. لكنها لم تقتصر على النهي فقط؛ بل امتدت لتكون وسيلة للإصلاح.
كم مرة تدخل الآباء في حياة أبنائهم الزوجية بقولهم: “عيب ارجعي من أجل أولادك”، محاولين الحفاظ على كيان الأسرة؟
وكم مرة نصحوا الأزواج: “عيب، أنت لست صغيرا” ليذكروهم بمسؤولياتهم تجاه بيوتهم؟
حتى في الخلافات بين الأصدقاء، كان يُقال: “عيب، أنتم تشتركون الملح والطعام ” ورغم أننا لا نعرف ما علاقة العيش بالملح بكل هذا، إلا أن العبارة كانت تُلامس القلوب وتذيب الجليد بين المتخاصمين.
لكن الزمن تغيّر، ومعه تغيّرت القيم والمفاهيم تلك الكلمة التي كانت ميزانًا للعادات والكلمات تحولت إلى ذكرى تُقال بين الحين والآخر، أو ربما اندثرت تمامًا في بعض البيوت أصبحنا نسمع بدلاً منها عبارات تُبرر الخطأ وتشجع عليه، مثل: “غدا يكبر و يعقل”، أو “بنتي تحملت كتيرا، لازم تطلق” كأن الخطأ لم يعد خطأ، وكأن العيب الذي كان يحمي العلاقات أصبح مجرد وجهة نظر.
هذا التغير لم يكن مجرد تحول لغوي؛ بل كان انحرافًا عن النهج السليم الذي رسمه ديننا الحنيف الإسلام وضع ميزانًا دقيقًا للأفعال والأقوال، يدعونا فيه إلى التمسك بالحق والابتعاد عن الباطل.

يقول الله تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ” تلك الكلمة كانت جزءًا من التعاون على البر، حيث نُذكّر بعضنا البعض بما هو صواب ونُبعد عن الإثم.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدين النصيحة” (رواه مسلم). وكانت “عيب” نوعًا من النصيحة التي تُقال بأسلوب بسيط لكنه يحمل في طياته الكثير من الحب والحرص ولعل غياب هذه الكلمة أو استبدالها بعبارات فارغة هو ما جعلنا نفقد جزءًا من روح النصيحة، وجعل العلاقات تنهار، والبيوت تتفكك، والصداقة تفقد معناها.
عندما تحولت النصيحة إلى تبرير، ضاعت القيم أصبحت العلاقات مبنية على المجاملات الزائفة، وانحرف ميزان الحق في زمن كان يُقال فيه: “عيب تتكلم هكذا” كنا نتعلم ضبط ألسنتنا أما اليوم، فكم من الكلمات البذيئة تخرج دون أي رادع؟
في زمن كانت “عيب” تمنعك من مد يدك إلى ما لا يخصك، أصبحنا اليوم نبرر السرقة بالحاجة، والكذب بالمصلحة.
العيب الحقيقي ليس في الكلمة التي اندثرت، بل في تركنا للنهج الذي رسمه لنا الإسلام يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنَّ من أحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسِنُكم أخلاقًا” (رواه الترمذي) أين نحن اليوم من هذا الحديث؟.
أين نحن من الأخلاق التي كانت كلمة “عيب” جزءًا من تشكيلها؟
لعلنا نحتاج إلى أن نُعيد لهذه الكلمة مكانتها، ليس فقط كوسيلة للإصلاح، بل كجزء من تذكيرنا بقيمنا وديننا نحتاج إلى أن نعود إلى النصيحة الصادقة، إلى التعاون على البر والتقوى، إلى وضع ميزان العيب والحرام في مكانه الصحيح لأن غياب هذا الميزان هو ما جعلنا نرى الفساد ينتشر، والعلاقات تنهار، والحق يضيع.
فلنسترجع كلمة “عيب” ليس فقط على ألسنتنا، بل في قلوبنا وأفعالنا لأنها لم تكن مجرد كلمة؛ بل كانت سياجًا يحمي أرواحنا من الضياع، ويُعيدنا إلى طريق الحق كلما ضللنا السبيل.

التعليقات مغلقة.