فلِمَن نكتب؟

الانتفاضة // حسن المولوع

نُلام… نُعاتب… نُتّهم بالتقصير، وأحيانا نُجلد..
نحن معشر الصحافة، لا نكاد نفتح ملفا من ملفات الوطن، حتى يُرمى في وجوهنا السؤال الجارح:
ولِمَ لم تتكلموا عن هذا؟! ولماذا تركتم ذاك؟

فإذا كتبنا عن السياسة، قالوا: تركتم الخبز والبطون الجائعة…
وإذا خضنا في الاقتصاد، قالوا: الناس تموت قهرا من الظلم…
وإذا تناولنا القضايا الاجتماعية، قالوا: أنتم تائهون في التفاصيل، والأمة تُغتال من فوقها ومن تحتها!

فمن نُرضي؟ ولِمن نكتب؟

نبحث عن النفع… فلا نجد من يستقبل…
نقلب وجع الوطن على كل الجهات، فلا نرى إلا القلوب المُصفّحة، والعقول المُغلَقة.
نُجاهد في الكلمة صدقا، وفي المعنى سموّا… ثم نصطدم بواقع غارق في لهو المقاطع القصيرة، وفي تتبّع الراقصات والنمّامات..

تُطالبوننا بالاهتمام بما ينفع، لكن حين نكتب ما ينفع… لا أحد يقرأ.
وحين نقدّم تحليلا أو تحقيقا يهمّ مصير الوطن… لا أحد يُبالي.
أما حين تُنشر الشائعة، أو تُبثّ التفاهة، أو يُسوَّق للانحلال الأخلاقي… تتدفق المشاهدات كالسيل، وتُوزَّع الإعجابات بسخاء!

هذا “الرأي العام” الذي يُحمّلنا مسؤولية الضمير…
هو نفسه من يسهر على موائد التفاهة…
هو من يُكرِّم الرداءة بالملايين من المتابعات…
هو من سلَّم مفاتيح عقله لحفنة من مروِّجي الميوعة!

فقل لي بالله عليك… فلِمَن نكتب؟

إنك حين تكتب مقالا يضيء زاوية من زوايا العتمة، تمرّ عليه العيون مرور الغافلين…
وحين تنشر شائعة مفبركة أو تفاهة مستوردة، يتهافتون عليها كما يتهافت الذباب على الجيف!

فهل نكتب للحيارى؟ أم للغافلين؟ أم لمن باعوا عقولهم في أسواق الصراخ؟

أحياناً، يكون الصمت أنقى…
ويكون التوقف أبلغ…
ويكون التأمل في هوان الكلمة، أصدق من خُطب الحروف.

فلمن نكتب؟
هل نكتب لنخبة تقاوم الغرق في العبث؟ أم لجمهور لا يفتح عينيه إلا على ما يُضحك أو يُلهي؟
أم نكتب لأنفسنا، لنبقى أوفياء لما آمنا به من رسالة وقيمة؟

نحن نعيش زمنا تُهان فيه الكلمة… ويُستهزَأ فيه بالعقل… ويُقصى فيه الوعي.
زمنٌ صاخبٌ بالصوت… فارغٌ من المعنى.
ولذلك… يكون التوقف أحياناً فضيلة، ويكون التأمل صرخة، ويكون الصمت موقفا.

فلمن نكتب؟
سؤالٌ موجِع…
لكن الأشد إيلاما ، أن تمرّ الأيام… ولا نجد له جوابا

حسن المولوع
صحافي لا يكتب ليُرضي، بل ليُنبّه.

التعليقات مغلقة.