الانتفاضة // أيوب الرضواني
شاعلة بين من يسمون أقطاب المخزن الاقتصادي؛ أنصار صناعة السيارات يتهمون المدير العام للفوسفات باحتكار أموال المكتب وكأنها ملكه، وأنصار الفوسفات يُدينون استغلال شركات السيارات لليد العاملة بأقل كلفة في العالم! نستذكر هنا المثل المصري المُحرف: “ما شافوهمش وهما بيستثمرو، شافوهم وهما بيتحاسبو!!”.
من زمان وهذه الصفحة المتواضعة تشير لأهمية فتح نقاش عمومي، وإخراجه للضوء حول ظروف وأرباح المغرب الحقيقية من استثمارات السيارات والطائرات وغيرها من جهة، وحول طريقة تسيير المقاولات والمؤسسات العمومية من جهة ثانية.
272 مؤسسة عمومية (أو بها مساهمات عمومية) لا تساهم أكثر من 4 منها في المالية العمومية هي: مكتب الفوسفات، المحافظة العقارية، بنك المغرب واتصالات المغرب برقم لم يتجاوز في ميزانية 2025 مبلغ 13 مليار درهم، مقابل دعم الدولة لأغلبية المؤسسات العمومية بـ 65 مليار درهم عام 2023. بدل ما تصرف علينا وتعاون ميزانية الدولة، المواطن هو لي كيصرف على المؤسسات العمومية!!
وضعية تستوجب طرح سؤال ونقاش ولما لا فتح تحقيقات حول حكومة تسيير تلك المؤسسات، والتي غالبا ما يحكمها ويُسيرها مدراء لا يتغيرون إلا بقرار من ملك المـ.ـوت!
الشركة الوطنية للطرق السيارة، ورغم آداء الملايين من المغاربة مئات ملايين الدراهم يوميا رسوما لعبورها، أعلنت نهاية العام الماضي عجزا بـ 40 مليار درهم، متبوعا بقرار رفع تسعيرة الخدمات. ما دفع نوابا في البرلمان إلى طرح تساؤلات كبيرة: فين كيمشيو فلوس لوتوروت؟!
صندوق الإيداع والتدبير، المؤسسة الضخمة الموكول إليها استثمار وإدارة آلاف المليارات من مدخرات المغاربة، بما فيها أموال التقاعد، تدخل في مشاريع ضخمة وعالية الأرباح في قطاع العقارات بمختلف المستويات (الطبقة المتوسطة، الثرية وشديدة الثراء)، ومع ذلك لا نجد للصندوق مساهمة في الميزانية ولو بنستيم واحد.
بل الأخطر من ذلك، منذ سنوات ونحن نسمع عن اقتراب الصندوق الوطني للتقاعد من الإفلاس (10 مليارات درهم عجز متوقع عام 2025) دون أن يطرح أحد التساؤل حول جدوى استثمارات صندوق الإيداع والتدبير لأموال تقاعد المغاربة؟ حجم تلك الأموال؟ أو طريقة إعادة صرفها؟ الحل هو الحائط القصير كما العادة: زيادة سن تقاعد فقراء الشعب، مضاعفة الاشتراكات وتقليص المعاشات، وبيس آند لووووف.
صندوق الإيداع والتدبير الذي حوكم مديره السابق عام 2013 بتهم اختلاس المال العام بسنة يتيمة وسط تعتيم إعلامي، هو نفس الصندوق الذي أنقذ مالية مجموعة رونو عام 2007، مساهما معها بـ 47% في رأسمال شركة رونو-طنجة، قبل أن ينسحب من الشراكة عام 2012، أي بمجرد وصول مرحلة جني الأرباح!! وكلشي باااااح.
من جهة أخرى نجد صناعة سيارات وطائرات لطالما تم تسويقها وكأنها مصباح علاء الدين الذي سيحل مشاكل المغاربة. كثير ما طالبنا بضرورة العقلنة والتوازن في الحديث عنها: نعم هي استثمارات مهمة إلى حدٍّ ما في التشغيل وموازنة عجز الميزان التجاري، لكنها تبقى مجرد مصانع عائمة جاهزة نُقلت من فرنسا إلى شمال المغرب.
96% من عائدات تلك المصانع تذهب للمساهمين الفرنسيين في الشركة (أكثر من 60% مؤسسات عمومية فرنسية)، مقابل أقل من 4% فقط هي مساهمة الرأسمال المغربي؛ يُخبرنا الاتحاد العام لمقاولات المغرب.
مع شح الأرباح والإعفاءات الضريبية والجمركية التي تتمتع بها صناعات السيارات والطائرات وما جاورهما، تبرز ظروف اشتغال عمالة ليست دائما مناسبة؛ من عبودية الكابلاج، لرواتب لا تناسب دائما تكاليف معيشة تكاد تنافس أوروبا، وصولا لممارسات تحـ.ـرش واستغـ.ـلال جنـ.ـسي في مكاتب مدراء يختبؤون وراء علامات صناعية “عظمى”.
كل هذا وأكثر لطالما أشرنا إليه بهدف تحريك النقاش العمومي وتسليط الضوء على طرق صرف المال العام، وظروف عيش العمال المغاربة في مصانع الأجانب. ليكون الرد من أكثرية النخبة المؤلفة جيوبها، وأتباعهم من قطعان الذباب: أنتم عدميون تيئيسيون حتى حالة ما عاجبكم!
اليوم، يشاء السميع العليم أن ينفجر نفس النقاش بين الكبار، في لعبة توازنات وإعادة تموضع ورسم لخرائط ما قبل حكومة العرس المونديالي، ليكون رأي المؤلفة جيوبهم هذه المرة: إنها تصفية حسابات!!!
فسبحان الذي وعد المُـ.ـنافقين بالدرك الأسفل من النـ.ـار في الآخرة، ووصفهم بالعدو في الدنيا.
التعليقات مغلقة.