الانتفاضة // محمد عصام
لا أحد يستطيع أن يقنعني بأن “التجمع” حزب بالمعنى المتعارف عليه في العلوم السياسية.
فهو منذ نشأته أو بالأحرى إنشائه بإرادة من خارجه كان وسيبقى كيانا وظيفيا يتم استدعاؤه حسب السياقات ولمهام وظيفية ينجزها بالمناولة ثم ينصرف بعد أن يستوفي أجره نقدا أو قربا أو هما معا من مركز السلطة.
وبالتالي فأي حديث عن وجود مناضلين داخله هو تضليل وتزييف للوعي.. فالمناضلون تخلقهم الأفكار الكبيرة، وتصنعهم المعارك الصعبة، وتصقلهم التحديات، جذورُهم عميقة في أصل الفكرة التي يتبنونها، وفروعهم ممتدة في سماء العطاء والبذل بلا مقابل ولا انتظار جزاء، وثمارهم حصاد طيب في خزائن الوطن ومجده وتقدمه.
وعليه فإن الاستعانة ب 200 درهم لتأثيث فضاء لقاءات حزب “الحمام” هو استمرار لمنطق المناولة وهو منطق أصيل في آلية اشتغال الهيئات الوظيفية، وهو منطق لن تستطيع الفطام عنه لأنها بكل بساطة لا تملك غيره، ولن تستطيع مكابدة بدائله المحفوفة بالمكاره والتضحيات والبذل.
وهو في المحصلة منطق لا ينتمي ل “السياسة” بمعناها المتعارف عليه، بل ينتمي لعالم السوق، بمحدداته الأساسية المتمثلة في العرض والطلب، وتتلبس به بلاغة المثل المغربي” الله اجعل الغفلة بين البايع والشاري”.
حينما ننتقد “حمام” اللحظة السياسية الراهنة، فإننا نشفق على الوطن أولا، لأن هذه الوصفة جربت بما فيه الكفاية في تاريخ المغرب وفي سياقات مختلفة ولكن بمسميات وشخوص وظيفية مختلفة، ولم يجن منها المغرب إلا السراب والخراب.
فالعدو الأساسي لنماء الوطن، هو قتل الأمل في نفوس أبنائه وزرع الشك في كل شيء من السياسة إلى الاجتماع مرورا بالاقتصاد والثقافة والفن، هو قتل الثقة وإفراغ السياسة من المعنى، وجعلها وجها آخر للتجارة والبيع والشراء، لكنه وجه بشع لا يليق بمغرب يلتمس طريقه نحو ديمقراطية مؤجلة.
ما يفعله الأحرار بالسياسة، جريمة مكتملة الأركان بمنطق الديمقراطية وبمنطق الولاء للوطن، إنهم يمعنون في جر البلد إلى الوراء ومراوحة المنطقة الرمادية، منطقة الشك والارتياب، والتي لا تخدم في شيء طموحات أبناء هذا الوطن وحقهم الطبيعي في سياسة ذات معنى، وفي ساسة يشبهونهم حد التطابق والتماهي.
تستطيع لحظات الزيف كما وقع نهاية هذا الأسبوع في الداخلة، أن تتلاعب بالمناطق الرخوة في وعي البعض ولكن إلى حين، وتستطيع أيضا أن تخلق غبارا إعلاميا ستقتات من فتاته امتدادات ” آلية الوظيفية” في الإعلام، لكن هذا الغبار سينقشع بسرعة أمام الواقع وبيناته التي لا ترتفع ولا تتعايش مع الزيف.
فأعلى مراتب واجب الوقت اليوم، هو إنقاذ السياسة من هؤلاء العابرين الذين يعيثون فيها زيفا وتضليلا، وكشفهم على رؤوس الأشهاد، وبناء خندق يسع كل الديمقراطيين بكل تموقعاتهم وألوانهم لمواجهة هذا التزييف الممنهج والتصدي لمحاولات إفراغ السياسة من المعنى والرقص على جراحاتها.
واجب الوقت يقتضي مغادرة مقاعد المتفرجين، والنهوض بمهام المقارعة السياسية على أرضية ديمقراطية صلبة، تنحت منها مفرداتها وتستلهم منها المعاني والمباني، والمواقف والمقاصد، لم يعد مبررا الآن التولي أمام زحف التمييع والتزييف، وممارسة البكائيات غير المجدية بعد انصرام زمن المواجهة والمقارعة، فمعركة الديمقراطية تحتاجنا جميعا بدون استثناء، ولكن في كامل لياقتتا السياسية، وحضورنا الفعلي والمعنوي في صفوف المواجهة الأولى وبلا هوادة، لأننا مسؤولون كل من موقعه، في حماية حلمنا وصيانته من هذا العبث الزاحف.
التعليقات مغلقة.