الانفلات الأمني: بين الواقع والانطباعات المجانبة للصواب” تتمة لما سبق “

بقلم محمد السعيد مازغ

الانتفاضة

تتردد أحيانًا أحاديث عن مظاهر الانفلات الأمني في بعض المدن المغربية، مما قد يوحي للبعض بأن الأجهزة الأمنية عاجزة عن أداء مهامها أو غافلة عما يجري. غير أن هذا التصور يفتقر إلى الدقة والموضوعية؛ فالتعميم السلبي، وحصر المشهد في وقائع العنف والسرقة والاعتداءات، يعكس إما جهلًا بحقيقة الواقع وتعقيداته، أو قراءة متسرعة متشنجة لا تستند إلى معطيات علمية أو تحليل رصين.                                                                                        إن وقوع بعض الحوادث الإجرامية بين الفينة والأخرى أمر طبيعي في أي مجتمع، ويصعب توقعه أو إحباطه بشكل كامل. فغالبًا ما تكون التصرفات الإجرامية وليدة دوافع خفية لا تظهر للعلن إلا حين تتحول إلى أفعال ملموسة. وقد أبرزت بعض القضايا هذا الواقع، كما في جريمة مدينة ابن أحمد، حيث تبين أن المشتبه به كان من رواد المساجد ومساهمًا في خدمة الصالح العام، قبل أن تُكشف خفايا أفعاله الإجرامية، في مشهد يبرهن على صعوبة التنبؤ بالسلوك الإجرامي اعتمادًا على الظواهر وحدها.                                                                                         وعرفت مدينة مراكش حادثة أخرى، حين أقدم شخص فاقد للوعي تحت تأثير المخدرات والخمور، على تخريب زجاج سيارات متوقفة بأحد أحياء سيدي يوسف بن علي؛ وهي حادثة فردية تندرج ضمن سلوكيات مرضية لا تعبر عن وضع أمني عام.                                                                                    ولا شك أن الأجهزة الأمنية، سواء على مستوى الشرطة أو الدرك الملكي، تبذل مجهودات كبيرة من أجل استتباب الأمن، وإن تفاوت مستوى الفعالية بحسب المناطق والظروف، وهو أمر طبيعي يرتبط بتحديات ميدانية متغيرة. وقد تكشف بعض الحوادث المعزولة أحيانًا عن اختلالات موضعية تستدعي المعالجة المستمرة والتقييم المتواصل.                                            ورغم هذه التحديات، يواصل المغرب ترسيخ صورته كبلد آمن ومستقر، وهو ما تؤكده الإحصاءات وتثبته الوقائع، لا سيما من خلال تزايد أعداد الزائرين والمقيمين الأجانب الذين يختارون مدنًا مثل مراكش والصويرة وغيرهما للاستقرار الدائم. إذ يعكس هذا الإقبال الثقة في الأمن المغربي والانبهار بالتقاليد والأنشطة المحلية، مما جعل من المغرب وجهة مفضلة للعيش والاستثمار والسياحة. بل إنه يتفوق في هذا المجال على العديد من الدول، بما فيها تلك التي تتمتع بإمكانات مادية ولوجستيكية متقدمة، وهو ما يعد شهادة حية على تميز التجربة المغربية.                                                                                          إن تحقيق الأمن مسؤولية جماعية، تتطلب مشاركة المواطن إلى جانب جهود الأجهزة الرسمية، من أجل تعزيز الاستقرار وحماية المكتسبات، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة والتهويل الذي لا يخدم سوى أعداء التنمية والأمل.

التعليقات مغلقة.