كل شيء إرتفع ثمنه… إلا الإنسان!

الانتفاضة 

في زمنٍ يركض فيه العالم خلف الأسعار، وتُقاس فيه القيمة بما يُدفع لا بما يُمنح، ارتفعت أثمان كل شيء… الغِذاء، والدواء، والمأوى، وحتى الهواء النقي أصبح ترفًا في مدنٍ تختنق. ارتفع كل شيء، وتضخمت الأرقام حتى صارت الحاجة تقاس بلغة البنوك لا بلغة القلوب. لكن شيئًا واحدًا فقط صار أرخص… الإنسان!

نعم، الإنسان الذي كان يُنظر إليه كقيمةٍ عليا، ككائنٍ يحمل في ذاته المعنى والكرامة، صار اليوم مجرد رقم في قوائم الاستهلاك، مجرّد ترس في آلةٍ لا تعرف التوقف. لم يعد للكدّ قيمة، ولا للتعب اعتبار، صار الأجير يُهان، والمبدع يُهمّش، والمُعلم يُهمل، والمريض يُترك وحيدًا في طابور الانتظار الطويل.

نشتري هواتف بأثمان خيالية، ونقضي ساعات في تجميل الجدران، ونلهث خلف علامات تجارية، بينما جارك لا يجد ثمن الخبز، وزميلك يفكر في الهجرة لا طلبًا للترف، بل فرارًا من الإهانة اليومية.

أي زمن هذا الذي صار فيه الخبز أغلى من الكرامة؟ أي وطن هذا الذي لا يُقدّر أبناءه؟ أين نحن من إنسانيةٍ كانت تحنو، وترفع الإنسان فوق كل اعتبار؟

صرنا نعيش مفارقة موجعة: كلما تقدّم العلم، تأخّرت الرحمة؛ وكلما زادت التكنولوجيا، قلّت المروءة؛ وكلما ارتفعت الأسعار، انخفضت قيمة البشر!

قد نختلف في الرأي، وفي الدين، وفي المذهب، ولكننا نشترك في وجعٍ واحد: وجع الإنسان الذي يشعر أنه لم يعُد يُحسب له حساب، وأن صوته يُستبدل بالأرقام، وأن دمه قد يُقايض بثمن لتر من البنزين!

فلنُعِد للإنسان اعتباره، قبل أن نصحو على واقعٍ لا يُطاق، حيث لا يبقى من الإنسان سوى ظلٍّ يبحث عن ذاته في زحام الأشياء.

التعليقات مغلقة.