الانتفاضة // الاستاذ // محمد السعيد مازغ
لم تتخيل زهرة يومًا أن تكون حياتها مسرحًا لدراما قاسية تكتبها الأقدار بلا هوادة. كانت فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تنبض بالحياة، تحمل في قلبها أحلامًا بريئة رسمتها مع ابن الجيران، ذاك الشاب الذي شاركها تفاصيل يومها عبر رسائل خفية ونظرات مسروقة عبر النافذة. لكن كل شيء تحطم بلحظة واحدة، حين قرر والدها أنها ستصبح زوجة لرجل يكبرها بسنوات، قرار لم يُترك لها حق الاعتراض عليه، قرار سُلب منه حتى الحق في الدهشة، قرار حولها من زهرة متفتحة تفوح عطرا ، إلى زهرة ذابلة تلحفت اسمالا سوداء قاتمة.
حاولت المقاومة، حاولت أن تتحدث، أن تتوسل، لكن صوتها تلاشى بين جدران البيت، كأنه لم يكن. وأمام نظرات أهلها الصارمة، لم تجد مفرًا من الاستسلام، فارتدت فستان الزفاف كمن يُساق إلى مصير مجهول، ومشت نحو قفص لم تصنعه يداها. في بيت زوجها، كانت زهرة جسدًا بلا روح. كانت تتحرك، لكنها لم تكن تعيش. تحولت أيامها إلى صمت مطبق، وتسللت الكآبة إلى أعماقها حتى صارت ظلًا لا يشبه نفسها. كانت تنظر إلى الحياة من نافذة مغلقة، يراودها سؤال واحد: “لماذا؟”. كان زوجها يدرك أن حبها لم يكن له، لكنه صبر، معتقدًا أنها ستتأقلم بمرور الوقت. أما والدته، فلم تكن تملك صبره، كانت تراها فتاة جاحدة، متمردة، وتطالب ابنها بالحزم معها. لكن زهرة لم تكن تتمرد… كانت تلفظ الحياة.
عندما أصبح الألم أكبر من أن يُحتمل، اتخذت قرارها. أمسكت هاتفها بيد مرتعشة، وكتبت رسالة قصيرة لحبيبها: “انتظرني… هذه المرة لن أعود.”.
في الليل، وبينما كان الجميع نائمين، خرجت، ركضت بلا تفكير، بلا خوف. في ذلك الطريق المظلم، لم تكن تهرب من بيت زوجها فقط، بل من حياة لم تكن تريدها يومًا. التقت حبيبها، وقررا معًا أن يبدآ من جديد في مكان بعيد، حيث لا أحد يعرفهما، ولا أحد يستطيع فصلهما.
لكن العائلة كانت أسرع. استفاقوا على فاجعة هروبها، تبادلوا الاتهامات، وامتلأ البيت بالصراخ والغضب. أما الزوج، فلم يكن صراخه مجرد غضب، بل تحول إلى بلاغ رسمي، اتهامات بالخيانة والسرقة والتغرير بفتاة قاصر، وبحث محموم انتهى باعتقال الهاربين.
في زنزانة باردة، جلست زهرة تحدق في الجدار. هل كان هذا هو طريقها إلى الحرية؟ أم أنها استبدلت قيدًا بآخر؟ لم يكن هناك إجابة. كل ما عرفته أنها باتت وحيدة أكثر من أي وقت مضى.
قضى حبيبها عقوبة قاسية، بينما خرجت هي بعد فترة وجيزة، لكنها لم تعد إلى الحياة… بل إلى سجن آخر. هذه المرة، كانت جدرانه منزل والديها، حيث حُرمت من الخروج، من الحديث، من فتح النوافذ، من أي شيء يشبه الحياة. مرّت الأيام ببطء، حتى جاء اليوم الذي خرج فيه ابن الجيران من السجن. لم ينكسر، لم يتراجع. عاد ليطالب بها، هذه المرة ليس كحبيبة هاربة، بل كزوجة أمام الجميع. 
رغم كل شيء… تم الزواج. لكنها لم تعد زهرة ذات الثمانية عشر عامًا، لم تعد تلك الفتاة الحالمة. كانت امرأة خاضت حربًا، ودفعت ثمنًا، وخرجت منها بجرح لا يندمل، ودرس لن تنساه أبدًا: بعض الحرية… قد تأتي متأخرة جدًا.
التعليقات مغلقة.