الانتفاضة // محمد المتوكل
تواجه السياسة الأمريكية في إفريقيا في ظل إدارة ترامب والكونجرس تحديات متعددة تتعلق بالمصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية.
ويتضح من التوجهات الحالية أن الإدارة تميل إلى تقليص المساعدات التنموية وإعادة هيكلة المبادرات الاقتصادية، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الأمريكية الأفريقية.
ورغم هذا التوجه، لا تزال بعض البرامج مثل قانون النمو والفرص في أفريقيا (أجوا) وخطة الطوارئ للإغاثة من الإيدز (بيبفار) تشكل مؤشرات على استمرار الاهتمام الأمريكي بالقارة، مع اختلاف طبيعة الأولويات مقارنة بالإدارات السابقة.
ويعد قانون أجوا، الذي أُقر في عام 2000، ركيزة أساسية في تعزيز التجارة بين الولايات المتحدة وأفريقيا، حيث ساهم في دعم العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، وأرسى توافقًا بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بشأن أهمية الاستثمار الأمريكي في القارة.
هذا التوافق أفضى إلى إطلاق مبادرات رئيسية مثل الشراكة الأفريقية وإنشاء مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، وهي مؤسسات لعبت دورًا في تمكين الشركات الأمريكية من دخول السوق الأفريقية في ظل منافسة متزايدة مع القوى الدولية الأخرى، خاصة الصين.
وتعكس مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC) توجه إدارة ترامب نحو دعم الأعمال التجارية بدلاً من المساعدات التقليدية، حيث التزمت المؤسسة في عام 2024 باستثمارات قياسية بلغت 12 مليار دولار عبر 181 صفقة في 44 دولة أفريقية.
ويعزز هذا النهج من دور القطاع الخاص الأمريكي في القارة، لكنه يطرح تساؤلات حول مدى فعالية هذا النموذج في تحقيق التنمية المستدامة مقارنة بالمساعدات التقليدية.
ويُتوقع أن تحتل المعادن الحيوية مكانة محورية في الأولويات الأمريكية خلال إدارة ترامب الثانية، خاصة بعد إقرار قانون الطاقة لعام 2020. فالقارة الأفريقية تضم نحو 30% من المعادن الاستراتيجية عالميًا، مما يجعلها ساحة تنافس رئيسية بين القوى الدولية.
ومن هذا المنطلق، قد تحظى مشروعات مثل “لوبيتو كوريدور” بدعم مستمر لضمان تأمين الموارد الطبيعية الضرورية للصناعات الأمريكية، لا سيما في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعزز أهمية تقليل الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد العالمية.
ويبرز تجديد قانون أجوا كمحور رئيسي في السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا، حيث شهد ديسمبر 2024 تحركات داخل الكونجرس لإقرار تمديد الاتفاقية التجارية حتى عام 2041.
هذا التمديد، إن تحقق، سيوفر استقرارًا نسبيًا للعلاقات التجارية بين الطرفين، لكنه لا يضمن بالضرورة تعظيم استفادة الولايات المتحدة من الأسواق الأفريقية، خاصة في ظل استمرار التباين بين المصالح الاقتصادية الأمريكية والاحتياجات الفعلية لدول القارة.
وتظل العلاقات مع جنوب أفريقيا محل جدل داخل الكونجرس، إذ يرى بعض المشرعين أن سياسات بريتوريا قد تتعارض مع الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يستدعي إعادة تقييم طبيعة هذه العلاقة.
في المقابل، تظل جنوب أفريقيا واحدة من أقوى الديمقراطيات في القارة وأكبر الاقتصادات الصناعية، مما يجعل من الصعب تبني سياسات تصادمية قد تؤثر على المصالح الأمريكية الأوسع في المنطقة.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الولايات المتحدة في أفريقيا هو التنافس مع الصين، حيث يفوق حجم التبادل التجاري الصيني-الأفريقي نظيره الأمريكي بأكثر من أربعة أضعاف.
ويطرح هذا الفارق الكبير تساؤلات حول مدى كفاية الأدوات الحالية، مثل برامج الأفضليات التجارية، في تمكين واشنطن من مواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني المتنامي في القارة.
ولعل أحد الحلول المطروحة هو تقديم حوافز ضريبية للشركات الأمريكية للاستثمار في مشاريع ذات قيمة مضافة، وهو ما قد يعزز من الوجود الأمريكي في الأسواق الأفريقية على المدى الطويل.
بصورة عامة، تبدو السياسة الأمريكية تجاه أفريقيا خلال إدارة ترامب والكونجرس مزيجًا من إعادة الهيكلة الاقتصادية، والتركيز على المصالح الاستراتيجية، ومواجهة النفوذ الصيني المتنامي.
ورغم استمرار بعض البرامج التقليدية، فإن التوجه السائد يقوم على تعزيز دور القطاع الخاص والاستثمارات بدلاً من الاعتماد على المساعدات التنموية المباشرة، وهو ما قد يعيد تشكيل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والقارة الأفريقية في السنوات المقبلة.
التعليقات مغلقة.