أنا في حديقة الحيوان

الانتفاضة // لبنى الفلاح 

«أنا في حديقة الحيوان» هو أول فيديو تم تحميله على تطبيق نشر الفيديوهات «يوتوب» في الـ23 أبريل 2005 ومدته 0:19 ثانية من طرف شخص يدعى: «جاويد كريم».

وللاستئناس فموقع «اليوتوب» أسسه ثلاثة موظفين سابقين في شركة باي بال «PayPal» عام 2005 في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية هم: «تشاد هرلي» و«ستيف تشن» و«جاويد كريم». ثلاثتهم أردوا نشْر فيديو لأصدقائهم فلم يَجِدوا في الأنترنت الأداة المناسبة وفكَّروا في إنشاء موقعٍ يحل المشكلة.

«يوتوب» أحدث ثورة في عالم التواصل بالشبكة العنكبوتية، بما أتاحه من تبادل مواد الفيديو بين المستخدمين عبر العالم إذ يحظى بنحو أربعة ملايير مشاهدة يوميا. وقد كان له دور كبير في ثورات الربيع العربي وساهم في تغيير مفهوم سيادة الدولِ واحتكارها لوسائل الإعلام خصوصا المرئية منها، ومازال تكرار حجْبِه في أكثر من دولة يثير جدلا حقوقيا وسياسيا وقانونيا كبيرا.

في البلد، هذا الموقع يُعتمد أكثر في نشر التفاهة من طرف منابر إعلامية محسوبة على السلطة ونجومها المفترضين الذين أنتجهم وتنتجهم هذه القنوات، وأظنكم على اطلاع بأن إحدى نجمات التفاهة «هيام ستار» التي اعتقلت مؤخرا، وأُدِينَت بأربعِ سنوات حبْسا نافذا، كانت من صنِيعة موقع رائد في التفاهة، حيث القصة موثقة بالصوت والصورة كما لحظة اقتناء بذلة رقص سوداء مرصعة بأحجار مشعة، كوسيلة لدخول عالم الفضائح الذي تسطره، بدل البحث عن سبل دمجها في المجتمع.

البلد تحولت إلى ما يشبه الغابة والعنوان الذي اختاره صاحبنا «جاريد كريم»: «أنا في حديقة الحيوان» لأول فيديو على «اليوتوب»، ينطبق على الحالة التي نعيشها اليوم، فلا أسلوب يحكم سِوى أسلوب الغاب حيث البقاء للأقوى في الوسائل والآليات التي يعتمدها للقتل الرمزي.

في هذا الأسلوب يستخدم المُستبد كل شيء لترويض الجماهير وغسْل الأدمغة والحرب النفسية، فيتعامل مع الجميع كأنهم قطيع من الحيوانات التي يجب ترويضها وضبط أجسادها، حيث يتكون سلوك غريزي يؤدي خلاله الشخص الحركات والتصرفات والمهام المطلوبة، وهو أمر يتجاوز السلوك إلى تشكيل الإدراك والأفكار والقناعات والعواطف.

وإذا كنت ترغب عزيزي القارئ في أن تكون مسؤولا مستبدا في هذا البلد الأمين، ما عليك سوى إقامة حفلات التعذيب والصعق الرمزي إذا اعترض أحدنا، حتى نتذكر جميعنا ما قاله جورج أورويل في روايته «1984» إن «جريمة الفكر لا تفضي إلى الموت، إنها الموت نفسه».

ما عاينته خلال الأيام القليلة الماضية حتى حدود الساعة أشبه بمحاولات القتل؛ قسوة ما بعدها قسوة.

الحكاية بدأت عندما غادر في العشرون يوليوز الماضي، ما يقارب عشرون معتقل رأيٍ ضمنهم ثلاث صحفيين هم: توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وعمر الراضي، ومدونون ومناهضون للتطبيع، سجون البلاد، في خطوة غبِط لها المغاربة لما اعتبروه انفراجة حقوقية أنصفت المعتقلين وذويهم. مرت فترة نقاهة هؤلاء وانطلقوا في مباشرة حياتهم الخاصة ومزاولة أنشطتهم الإعلامية التي اعتقلوا من أجلها.

الصحفي سليمان الريسوني عاد إلى التدوين وأصبحنا نشاهده في هذه المدينة وتلك يشارك في الندواتٍ وإثراء النقاش ما لم يعجب كلاب الحراسة الذين انطلقوا في أكل لحمه وزوجته خلود المختاري نيئا مباشرة بعد إعلان مشاركته في ندوة للحزب الاشتراكي الموحد بمدينة الدار البيضاء. جاء هذا أيضا أياما قبل جلسة محكمة الاستئناف ببروكسيل التي جرت أطوارها في السابع يناير الجاري، والمرتبطة أساسًا بتنصبه إلى جانب كل من النقيب والوزير السابق لحقوق الإنسان المعتقل محمد زيان، والحقوقي الخبير في الاقتصاد فؤاد عبد المومني، والصحفيان عمر الراضي وهشام المنصوري، كمطالبين بالحق المدني في القضية المعروفة بـ«قطر غيت» للنظر في الاتهامات الموجهة إلى عدد من البرلمانيين بالبرالمان الأوربي على رأسهم «إيفا كايلي» وشريكها، و«مارك طارابيلا» و«أندريا كوتزولينو» وجمعيات وشخصيات معنوية أخرى، وذلك بخصوص التدخل والفساد بداخل البرلمان الأوروبي الذي منع هذه المؤسسة من القيام بواجبها في إدانة انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرض لها سليمان الذي أدين بخمس سنوات سجنا نافذا في قضية جنائية مرتبطة بالجنس، لتقويض عمله الصحفي وآخرون، والتي كان من المفروض أن يحدد البرلمان الأوروبي موقفا بشأنها.

ولعلك عزيزي القارئ تعرف مُسبقا مستوى الكلام البذيء والعبارات القذرة التي سيُدونها وسيتلفظها كلاب الحراسة هنا.

في قضية الصحفي توفيق بوعشرين الأمر كان مختلفا للغاية، فقد تجاوز المشهِّرون الخطوط المرْسومة لهم خاصة بعد إعلانه عن بداية نشاطه الإعلامي وانسِحابه تدريجيا من الكتابة إلى تقنية الفيديو للتواصل مع قرائه، بما تُمكِّنه هذه التقنية من التفاعل الاجتماعي عبر التعليقات والمشاركات والإعجابات، ما له تأثير كبير في تفاعل المتابعين في كافة المنصات الإلكترونية «فيسبوك» و«إنستغرام» و«تويتر» و«تيك توك». ومن خلال بيانات المشاهدات سيبدو أنه قد حقق بأسلوب رزين وفي قالب مبتكر نسب مشاهدة لم يحققها سابقوه ممن تعول عليهم الدولة الرسمية في تدجين الرأي العام، الأمر الذي من شأنه أن يُسهِم حقا في نقل المتلقي من زمن التفاهة إلى زمن النقاش الهادف يرسم ملامح عن الواقع السياسي والاجتماعي القائم في البلد، وهذا طبعا سيحوله إلى هدف وسيجعل زوجته أسماء الموساوي مادة دسمة.

شخصيا لم أعرف الزميل توفيق بوعشرين يوما ولا التقيته، لكني كصحفية سياسية كنت على مقربة من القضية ومُعايِنة للمجزرة التي تعرضت لها صحيفته الورقية الموأودة «أخبار اليوم» وموقع «اليوم 24» الذي كانت له حكاية بعد اعتقال صاحبه. ما تعرض له طيلة أطوار المحاكمة كان فظيعا للغاية بلغ حدَّ تعريضه وهو بقفص الاتهام لمحاولة الضرب من طرف دفاع المطالبات بالحق المدني، وهنا يمكنك أن تصدق أو لا تصدق.

المهم أن توفيق بوعشرين أدين ابتدائيا بـ12 سجنا نافذا وأدين استئنافيا بـ15 سنة سجنا نافذا، أمضى منها فقط سبع سنوات سجنا نافذا حيث سيغادر السجن بعفو ملكي، جاء ليصحح حكم القضاء.

قلت إن بوعشرين بمجرد إعلانه دخول عالم «اليوتوب» سيقوم كلاب الحراسة بنشر شريط فيديو جنسي منسوب له وللمدافعة عن حقوق الإنسان عفاف برناني التي سبق وأدينت هي الأخرى في ذات القضية بستة أشهر حبسا نافذا، بعد رفضها الانصياع لحكم الآمر في هذا الملف ونفيها وعدم اعترافها في كافة المحاضر سواء محاضر الشرطة أو محاضر المحكمة بأي شريط فيديو منسوب لها، كما لا توجد أية وثيقة قضائية تصرح بذلك، ما جعلها تُغادر المغرب نحو تونس ومن تم إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث ستبدأ رحلةً جديدة.

كلاب الحراسة لم يكتفوا فقط بنشر الفيديو بمختلف منصات السوشيال ميديا بل نشروه في موقعٍ للبورنو مع وضع روابط للصفحات الخاصة لعفاف برناني، وهي اليوم تتلقى اتصالات بالجملة من مختلف دول العالم كنجمة للبورنو. الأمر بشع للغاية أليس كذلك؟ ماذا لو تعلق الأمر بأختك أو زوجته؟ لا تجب، فأنا لا أنتظر جوابا وأعرف الرد: أكيد ستلعن الساعة التي وُلِدت فيها والبلد التي فتحت فيه عينيك.

طيلة أطوار الملف تعرضت هذه السيدة (عفاف برناني) للتعسف، استمعت لها عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء كشاهدة في ملف ليست مشتكية فيه ولا ضحية مفترضة، وقد تفاجأت بوجودها خلال جلسة المحاكمة ضمن لائحة النساء اللواتي سيتنصَّبن كمطالبات بالحق المدني، ما دفعها إلى وضع شكاية بالزور ضد ضابط الشرطة الذي حرر محضر الاستماع لها، الأمر الذي انتهى بعقوبة حبْسية تعلمونها جيدا.

الفيديو وإن سلمنا بصدقيته من سربه؟

المصدر حتْمًا ليس هيئة دفاع الصحفي توفيق بوعشرين لأن المحكمة رفضت مدَّها بأشرطة الفيديو التي يقال إنها بلغت 37 شريطا، والتي كانت قد عُرضت في القاعة 8 بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في جلسات سرية/ مغلقة في ليالي أحد الرَمَضَانَات.

وحسب ما كنت أعايِنُه في ردهات المحكمة، فالنقيب محمد زيان المحامي الرئيس وباقي هيئة دفاع الصحفي توفيق بوعشرين كانوا يغادرون القاعة رافضين مشاهدة تلك الفيديوهات ما دامت لا علاقة لموكلهم بها وينفيها جُملة وتفصيلاً في كافة مراحل الدعوى، وبالتالي أين كانت الفيديوهات؟

جوابا: الفيديوهات كانت أول الأمر بيد الأمن الذي سهر على البحث التمهيدي واعتقل بوعشرين ووضع يده على محجوزات مكتبه في مدينة الدار البيضاء من حواسيب و«هارد ديسك/ ديسك دير» حيث توجد الفيديوهات موضوع القضية، بالإضافة إلى هاتف «أيفون» وغيرها. بعد انتهاء البحث سيحيل الأمن ملف القضية من محاضر استماع ومستنداتٍ ومحجوزاتٍ ضمنها الـ«هارد ديسك» إلى النيابة العامة المختصة التي كيَّفت المتابعة وأحالت القضية على جلسة عمومية لتنطلق حينئذ فصول المحاكمة.

وعموما فمضمون الفيديو المسرب باعتباره وثيقة إلكترونية لا يتوفر على بيانات وصفية Metadata من معلومات ضرورية حول التسجيل وزمانِه ومكانِه، وهي المعطيات التي تم إزالتها بفعل فاعل.

الفيديو أيضا مضغوط وبشدة، كما أن صُور الأشخاص غير واضحة المعالم وتعرضت للتضبيب؛ ليتأكد أن الغاية من وراء هذا الطمس هي تشويه محتوى الفيديو والتمويه بأن من يوجد به توفيق بوعشرين، والتي معه هي عفاف برناني.

ما تعرضت له عفاف برناني، هو جريمة سيبرانية كاملة الأركان وهي سلوك غير قانوني يتم باستخدام الأجهزة الإلكترونية ينتج عنها حصول المُجرم على فوائد مادية أو معنوية.

وبحسب الشرطة الجنائية الدولية «الإنتربول» يُعرف هذا النوع من الجرائم بكونها لا تعرف الحدود في عالم أكثر ترابُطا على الصعيد الرقمي، حيث يستغل المجرمون هذا التحول الإلكتروني للاستهداف.

لهذا النوع من الجريمة أشكال متعددة كالتصيُّد الاحتيالي وبرمجيات انتزاع الفِدية وانتهاك البيانات وهي أمثلة قليلة من التهديدات السيبرانية الراهنة، ومرتكبوها هم أكثر مرونة وتنظيما ويستغلون التكنولوجيا الجديدة ويكيِّفون اعتداءاتِهم ويتعاونون فيما بينهم بطرق مبتكرة.

الهدف منها ليس عفاف برناني بحدِّ ذاتها وإنما الصحفي توفيق بوعشرين في إطار قتله رمزيا ما دام السجن لم يغيِّر قناعاته التي يبدو أنه لا ضير فيها ويعبر عنها في كل مناسبة. وهو الحال في الأنظمة التي يسيطر فيها المسؤول المستبد، حيث يتم التحكم الكامل في جميع مناحي الحياة العامة والخاصة للمواطنين؛ التحكم في وصولهم إلى المعلومة واعتماد الدعاية بغاية الاستيلاء على السلطة وخنق وسائل الإعلام واستخدام لغة الخشب والشعارات الرنانة باعتبارها أدوات فعالة للسيطرة على العقول.

والماسكون بزمام الأمور لا يجدون من طريقة للتعامل مع المنتقدين والمعارضين سوى استعمال الاعتقال السياسي كحل لتطهير الساحة من المختلفين معهم في ما يتبنوه من سياسة لتسيير شؤون البلاد والعباد، في وقت يعجزون فيه عن فتح حوارٍ يستوعب جميع الأطياف المتعارضة والمُختلفة معها.

والقضاء هنا هو جزء في هذه المنظومة، فهو يعمل تحت غطاء القانون حتى يجعل الفعل مشروعا قانونيا، بل ويتفنن في تحويل مصطلح الاعتقال السياسي إلى مصطلح الاتهام القانوني، ليصير الاعتقال السياسي امتدادا للعنف المادي الذي يُستعمل من طرف هذا المسؤول أو ذاك، بعد التضييق طبعا والمراقبة والمساس بالكرامة عن طريق نشر الإشاعات.

ولا يكتفي المستبدون بالاعتقال السياسي بل انتقلوا لأسوإ من ذلك «الانتقام الإباحي» من طرف هذه الجهات التي تعارض العملية الديمقراطية، عبر نشر محتويات جنسية عبر مواقع إلكترونية أو شبكات الأنترنت لتصفية الحسابات العالقة أو للانتقام من هذا الصحفي أو السياسي أو الحقوقي أو من طرف آخر عبرهم. ومع التطور التكنولوجي المتسارع بات من الممكن اليوم استخدام تقنياتٍ جديدة للتضليل والتزييف من خلال مقاطع فيديو زائفة وتكنولوجيا «الديب فايك» (Deepfake) مثلا لتنفيذ عملية «الانتقام الإباحي».

ولمن لا يعرف هذه العملية، فعبارة «الديب فيك» مركبة من كلمتين: الأولى «ديب» وتعني «عميق» لتشير إلى «التعلُّم العميق» والثانية «فيك» التي تعني «تزييف». التعلُّم العميق هو عبارة عن طريقة ذكاء اصطناعي متقدمة تستخدم عدة طبقات من خوارزميات التعلُّم الآلي من أجل استخلاص مزايا وملامح دقيقة عالية المستوى من أي محتوى خام مثل ملامح الوجه وخطوات الشخص، لإنتاج فيديوهات بورنوغرافية مزيفة للضحايا، قابلة للتبادل والتحميل على مواقع الأنترنت والمنتديات الخاصة وتطبيقات التواصل الفوري.

وعموما فعبر هذ النوع من الهجمات الإباحية المستباحة في الدول المتخلفة على الأرجح، تبرز خدعة شديدة التأثير في ممارسة لعبة التحكم والترويض وهي عملية تشكيل السلوك، والتي تهدف في الأصل إلى تشكيل سلوكيات جديدة لا يقوم بها الإنسان حاليا وقد يصبح مستعدا للقيام بها لاحقا.

حسنا حتى ها هنا عزيزي القارئ، يبدو أنك وبعد سرد كل هذه الأحداث والأفكار وجدت نفسك تقف مع ذاتك وتطرح بعضا من الأسئلة المصيرية التي لا مناص منها: هل يمكننا الاستمرار بالعيش في ظلِّ هذه الحالة المزرية والمتردية التي تغلّف مجتمعنا؟ وكيف يبدو مستقبلنا في ظل استفحال الاستبداد والقهر وتزايد وتيرتهما؟ كيف الخلاص من كل هذا؟ وما الدور المنوط بنا كأفراد؟
ماذا عن الجواب: لا جواب حتى الآن فقط حالة من الصدمة والصمت الرهيب الذي يُغَشِّي الأفق، لكنّها إن عمت هانت.

التعليقات مغلقة.