“حِكايةُ نهوضٍ من بين الرُّكام “

الانتفاضة // محمد القاسمي

واجهتُ في حياتي عوائق ومشاكل كنتُ أظنّها نهاية العالم، كنتُ أعيشُ أيامًا تُثقل كاهلي كأنّها جبال جاثمة فوق صدري، أبحث عن متنفسٍ فلا أجده، وأحاول الهروب من ألمي لأصطدم بحقيقة أنّ الألم يسكن داخلي، تلك اللحظات كانت كالعاصفة، لا مفرّ منها إلّا بالصمود، ولا نهاية لها إلّا بالمواجهة، وكنتُ بين كلّ ذلك أشعر بالضعف يغلبني، والظلام يُحاصرني من كل الجهات.

لم تكن معاناتي مجرد أحداثٍ عابرة، بل كانت كالجروح الغائرة التي تأبى أن تلتئم، الوحدة كانت رفيقتي، والخوف من الغد كان هاجسي، أحيانًا كنت أتساءل: هل تستحق الحياة كل هذا العناء؟ وفي لحظاتٍ كهذه، كنتُ أسترجع كلمات فريدريش نيتشه العظيم : “من يمتلك سببًا يعيش من أجله، يستطيع تحمّل أيّ كيف”، فأبحث عن سببي وسط الركام، عن ذاك النور الذي يدفعني للاستمرار.

بدأت أدرك أنّ النهوض ليس خيارًا، بل ضرورة، وأنّ الألم الذي يعصف بي ما هو إلا وقود يجب أن يُحرّكني نحو التغيير، وقفت أمام نفسي بكلّ ما فيّ من شجاعة مهزوزة وقلت: “لا أحد سيحمل عنك هذا العبء، لا أحد سيمنحك النجاة، الطريق يجب أن تسلكه وحدك”، بدأت أقاوم ضعفًا أرهقني لسنوات، وقررت أن أواجه مخاوفي وجهًا لوجه، بدأت أتعلم كيف أتسامح مع نفسي، كيف أعطيها الحق في الخطأ، وكيف أحترمها حتى وهي منهكة.

كنتُ أردد لنفسي ما قاله جبران خليل جبران: “إنّ السجين الذي يرى باب السجن مفتوحًا ولا يخرج، أسيرُ أوهامه أكثر من قضبانه”، فتخلّيت عن تلك الأوهام التي كانت تُقيّدني، عن الأشخاص الذين سلبوا مني راحتي، وعن الأفكار التي كانت تزرع الخوف في قلبي، كلّ خطوة كنت أخطوها كانت مليئة بالألم، لكنها كانت تمتلئ بالأمل أيضًا، كنتُ أعيد بناء نفسي من جديد كمن يُعيد ترميم بيت بعد زلزال مُدمّر، أضع كلّ لبنة وأنا أدرك أنّها ستنهار مجددًا إن لم تكن قوية بما يكفي، فأبحث عن القوة في داخلي، في كتبي، في لحظاتي الصامتة التي أختلي بها مع ذاتي.

ومع مرور الوقت، شعرتُ بأنني أستعيد حياتي شيئًا فشيئًا، لم يعد العالم ضدي كما كنتُ أظن، ولم يعد الخوف يُحاصرني كما كان يفعل، أدركتُ أنّ النور كان داخلي طوال الوقت، وأنّ التحديات ما هي إلّا وسيلة لتقوية جذوري في الحياة، كما قال ماركوس أوريليوس: “العائق الذي يقف في طريقنا، يصبح الطريق نفسه”، فأصبحت تلك العوائق هي الجسر الذي عبرتُ عليه نحو نفسي الحقيقية.

حين كنتُ في زنزانتي الانفرادية، محاطًا بصمتٍ ثقيل وجدران تُطبق على أنفاسي، وجدتُ طوق النجاة في عوالم الفلسفة، كنت أسيرًا لكن عقلي كان حرًا، يتجول بين أفكار نيتشه وشوبنهاور، يغوص في أعماق كانط وهيجل، ويستنير بحكمة ابن رشد، تلك العقول العظيمة كانت رفاقي في العزلة، تبث فيّ روح المقاومة وتُحيي داخلي أسئلة الوجود الكبرى.

في تلك اللحظات القاسية، قررت أن أجعل من الزنزانة منارة للعلم، فسجلتُ نفسي في شعبة الفلسفة بجامعة ظهر المهراز، متحديًا كل القيود، ومؤمنًا أن الفكر أقوى من القضبان. لم تكن الدراسة خيارًا سهلًا، لكنها كانت طريقي الوحيد للخلاص من قسوة الواقع، كنت أُكمل ما بدأته هناك، في قلب العتمة، حيث كنت أقرأ وأتأمل، أبحث عن معنى للحياة وسط فوضى الألم.

اليوم، وأنا أتابع دراستي للفلسفة خارج أسوار السجن، أشعر أنني أعيش امتدادًا لذلك النضال الداخلي، ما بدأ بين الجدران يستمر الآن بحرية أكبر، لكن بذات الشغف. الفلسفة لم تكن بالنسبة لي مجرد مجال أكاديمي، بل كانت رحلة تحرر، وسفرًا نحو ذاتي، حيث وجدت الإجابات في أسئلة، والنور في عتمة الزنازين، وكما قال نيتشه: “من يمتلك لماذا يعيش، يستطيع تحمل أي كيف”، أدركت أن العلم والفكر هما قوتي التي لا تنضب، وسلاحي الذي يجعلني أقف بثبات، مهما كانت الرياح عاتية.

وإلى جانب الفلسفة، أنا سعيد للغاية لقبولي في سلك الماستر الجامعي رفيع المستوى المتخصص في مجال الصحافة، في واحدة من أعرق الجامعات المغربية، هذا الإنجاز يُعتبر خطوة إضافية نحو إتمام طموحي الأكاديمي، الذي يتجاوز الماستر ليتوج لاحقًا بالدكتوراه، إنني أرى في هذا التخصص فرصة لتطوير مهاراتي الإعلامية ومنحي شهادة علمية تفتح أمامي آفاقًا جديدة، لتوسيع مجالات معرفتي والعمل في ميدان الإعلام الذي طالما عشقته.

إلى جانب الفلسفة والفكر ، كانت الصحافة جزءًا من هويتي التي لم أفقدها رغم المحن، واليوم، أشعر بالفخر أنني استطعت إلى جانب آخرين وبرؤية وطموح مشترك تم تأسيس الوكالة الوطنية للأبحاث والتحقيقات، والتي تضم خمس منابر إعلامية وطنية، منها جريدة المساء الإلكترونية، علاش تيفي، ديما تيفي، ريف تيفي، بوسكورة نيوز. هذا الإنجاز يمثل بالنسبة لي خطوة أخرى كبرى على درب الانتصار على الماضي، وصناعة مستقبل مليء بالأمل والعمل.

الحياة لم تكن يومًا سهلة، لكنها أعطتني فرصة لأصنع منها معنى، واليوم، أجد في عودتي للعلم والصحافة مصدرًا متجددًا للقوة، وأرى في تلك الليالي المُظلمة التي عشتها، طريقًا قادني إلى النور، وكما قال الطغرائي: “وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل”، أُدرك الآن أنّ فسحة الأمل كانت دائمًا بداخلي، تنتظر اللحظة المناسبة لتُشرق.

التعليقات مغلقة.