ومضات تربوية: حوافز التوبة في صحبة السلف الصالح

الانتفاضة/  الدكتور.محمد عز الدين توفيق

يحتاج المسلم الذي يريد أن يجدد إسلامه ويتوب توبة الإحسان أن ينظر في سيرة من سبقوه ، وحازوا قصب السبق في كل فضيلة ، فعندما يطالع سيرهم يقف على نماذج رائعة من سلوكهم في استغلال الوقت واستثمار العمر، ومبادرة الأجل بالاعمال الصالحة، وترتيب الأعمال حسب الأولوية، والموازنة ببن العبادات والشمول في فهم الدين، واليقين العظيم في الجزاء، و البعد عن موجبات النقمة والعذاب، ثم ينظر إلى نفسه، فيجدها بعيدة عن كل ذلك، فتتحرك في نفسه غبطة محمودة تحمله على منافستهم في مقاماتهم، والاقتداء بهم في أخلاقهم وأعمالهم.
والشيخ عبد الرحمان الجوزي رحمه الله تعالى الذي عاش حياة تصون وعفاف، وعلم نافع في درب التوبة النصوح، يرى أنه لم يسلم بعد إسلاما جيدا لتزداد نفسه عملا صالحا، ويقول مؤنبا نفسه لتزداد توبة : تفكرت في نفسي يوما تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن .. ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت صريعا، ولو كشف للناس بعضها لاستحيت، ولا يعتقد معتقد أنها جزء من كبائر الذنوب حتى يظن بي ما يظن في الفساد، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي، وقعت بتأويلات فاسدة … أف لنفسي وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلم وما عبق بها من فضيلة، إن نوظرت شمخت، وإن نوصحت تعجرفت، وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقوط الغراب على الجيف .. أف والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن أخلاقي وأنا بين الأصحاب … وغدا يقال: مات الحبر العالم الصالح، ولو عرفوني حق معرفتي ما دفنوني، والله لأنادين على نفسي نداء المكتشفين معايب الأعداء، ولا نوحن نوح الثاكلين للأبناء …
واحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا واحرماني من مقامات الرجال الفطناء، يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي، وأخيبه من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي، واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله مني الشيطان وأنا الفطن.
ثم يختم هذه العاقبة بقوله: ” اللهم توبة خالصة من هذه الأقدار، ونهضة صادقة، فما احرى من هو دونه علما وعملا ان يسألك ذلك.
ونؤكد أن المسلم إذا صحبته لسير السلف استوحش من أهل زمانه، وأنكر أسلوب حياتهم، وتعلق بالأفاق العالية التي حلق فيها أولئك الرجال العظماء النبغاء الموهوبون، فهو في كل ساعة مشغول بمنافستهم ومزاحمتهم، وكلما حل بمنزل من منازل السير تراءات له أخرى أعلى، و كلما دهمه كسل أو فتور تذكر أنه في حلبة سباق، و أي تهاون أو تباطؤ سيلقي به في مؤخرة المتنافسين، وما يزيده تشجيع للاجتماع بهؤلاء السلف الصالح هو السير على نهجهم والتخلق بأخلاقهم.
إن الاقتباس من السير الناجحة والتجارب الموفقة في تطبيق الإسلام يحدث توبة متجددة في حياة المسلم، ويصحح من أوضاعه باستمرار.

التعليقات مغلقة.