الانتفاضة // ابو شهرزاد
حينما نتأمل في سور القرآن الكريم نجد أن كل سورة تحمل رسالة ربانية عظيمة تهدف إلى إصلاح النفوس وتهذيبها.
واليوم نقف مع سورة الهمزة تلك السورة التي جاءت لتُسلط الضوء على آفة خطيرة تُفسد القلوب وتدمر العلاقات وهي آفة الهمز واللمز آفة اللسان واليد والإشارة.
هل فكرت يومًا أن كلمة واحدة قد تكون سببًا في دخول النار؟ وهل أدركت خطورة أن تشغل حياتك بجمع المال دون حق؟.
لنبحر معًا في أعماق هذه السورة لنستخرج منها كنوزًا تربوية وإيمانية لا غنى عنها.
{وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ}.
الويل تهديد بالعذاب الشديد لمن يتصف بهذه الصفات.
“همزة لمزة” يشير إلى الطعن في أعراض الناس سواء باللسان أو بالإشارة أو حتى بالغيبة والسخرية.
قال الحسن البصري “هم الذين لا يرون أحدًا إلا عابوه”.
وقال بن كثير همزة لمزة صفتان لواحد يُعيب الناس بقوله وفعله سواء أكان حاضراً أم غائباً.
وقال الإمام السعدي هذا وعيد لكل من اعتاد الوقيعة في أعراض الناس بالقول أو بالفعل.
قال رسول الله ﷺ “إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا.” (رواه الترمذي)
فتأمل كيف يمكن أن تكون كلمة واحدة سببًا في هلاك الإنسان فكيف بمن جعل من عيبه للناس عادة؟.
{الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ}.
الجمع والتعداد وصف الله حال من جعل حياته كلها لجمع المال من دون أن يُراعي حقوق الله فيه فكان المال فتنة له وسببًا في غفلته.
المال وسيلة لتحقيق العيش الكريم لكنه يتحول إلى نقمة إن شغلنا عن الله قال النبي ﷺ “يقول ابن آدم مالي مالي وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت؟” (رواه مسلم).
{يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ}.
ظن خاطئ يعتقد الإنسان أن كثرة ماله ستحميه من الموت أو من الحساب ولكنه غفل عن حقيقة الدنيا “كل نفس ذائقة الموت.”
المال لا يطيل العمر بل العمل الصالح هو ما يبقى.
{كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ}.
“الحطمة” هي جهنم وسُميت بذلك لأنها تحطم كل شيء.
قال السعدي “الحطمة نار عظيمة تكسر وتحطم كل ما يُلقى فيها ولا تُبقي ولا تذر”.
وذكر الطبري أن الحطمة هي العذاب الذي لا يُطاق يخلد فيه الإنسان إن كان من أهل الكفر.
{وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ}.
أتى هذا الاستفهام لزيادة تعظيم شأن النار حيث لا يمكن للعقل البشري إدراك هولها إلا بوصف الله تعالى.
{نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ}.
وصف النار بأنها موقَدة يدل على أنها مشتعلة لا تنطفئ ونسبتها إلى الله عز وجل تزيدها رهبة وعظمة.
{الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ}.
تصل النار إلى القلوب فتُحرقها وهذا أشد أنواع العذاب حيث يتعذب الإنسان من داخله.
قال الإمام الطبري “إنما خصت القلوب لأنها موضع الإيمان والكفر”.
وقال السعدي تصل إلي الأفئدة فتحرق القلوب وهذا أشد أنواع العذاب
{إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ}.
أي مغلقة بإحكام فلا أمل لهم بالخروج منها أبدًا.
{فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ}.
قال المفسرون “أعمدة عظيمة تُثبت الأبواب فلا تُفتح لهم أبواب النجاة”.
وقال بن عباس أي أعمدة تُشد بها أبواب النار فلا تُفتح أبداً.
في عصرنا اليوم أصبح اللسان أخطر من أي وقت مضى مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تسهل نشر الكلمة الطيبة أو الكلمة الخبيثة قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة” (رواه البخاري).
وقال صلى الله عليه وسلم:”إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا.” (رواه الترمذي)
اللسان الذي وهبه الله للإنسان ليكون نعمة أصبح سببًا في هلاك كثيرين إنه كالشرارة الصغيرة التي تُشعل غابة كاملة قال الله تعالى.
{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
كل كلمة ننطقها تُسجل ولن نُحاسب على الأفعال فقط بل على الكلمات أيضًا.
النميمة ليست مجرد خطأ اجتماعي إنها جريمة دينية تُفرق بين القلوب وتزرع الكراهية وتُفسد المجتمع قال النبي صلى الله عليه وسلم.
“لا يدخل الجنة نمام” (رواه مسلم).
كلمات بسيطة قد تجعل الإنسان محرومًا من أعظم النعيم وهي الجنة.
لسانك إما أن يكون سببًا في دخولك الجنة أو طريقًا إلى النار فاحذر من أن تكون كلماتك سهمًا قاتلًا في قلوب الآخرين قبل أن تتكلم تذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
“من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت” (رواه البخاري ومسلم).
اجعل كلماتك جسرًا يعبر بك إلى الجنة وليس نارًا تلتهم حسناتك اللسان صغير لكنه يحمل بين طياته مصيرك في الدنيا والآخرة
فلنتذكر دومًا أن الكلمة الطيبة صدقة والكلمة الخبيثة قد تكون سببًا في هلاكنا قبل أن نتكلم لنسأل أنفسنا هل يُرضي الله ما نقوله؟.
سورة الهمزة تقف بنا وقفة محاسبة تدعونا لترك آفات اللسان والقلب وتُحذرنا من الانشغال بالدنيا عن الآخرة لنُخلص أعمالنا لله ونُحسن القول والعمل فالعبرة بالخواتيم.
نسأل الله أن يرزقنا لسانًا صادقًا وقلبًا نقيًا وعملًا صالحًا يُرضيه وأن يجيرنا من النار وعذابها.
التعليقات مغلقة.