الانتفاضة // الدكتور // فريد الانصاري رحمه الله
” .. فللمغاربة حبٌّ خاص لسيدنا محمد عليه الصلاة و السلام، حُبٌّ أصيل في تراثهم، متمكن من وجدانهم، راسخ في شعورهم.
و ما تغنَّى شَعْبٌ بحب المصطفى صلى الله عليه وسلّم مثلما تغنى المغاربة!
و ما ضرب أحدٌ مثالا أرقى و لا أمثل مما ضربه المغاربة في حب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم!
و هل كان تنازلُ عبد الحميد الأَوْرَبِيُّ عن كرسي الحكم لفائدة المولى إدريس- حفيد رسول الله – إلا محبةً في المصطفى صلى الله عليه وسلّم!؟.
و كفى بذلك حدثا تاريخيا عجيبا، لا تسعه الكلمات وصفاً، و لا تحيطه العبارات كشفاً! للدلالة على تلك المحبة العليا التي سكنت وجدان الإنسان المغربي؛ فأعطى لآل بيت رسول الله دنياه كلها! و وجد شرفه العالي في ظلهم و تحت سلطانهم، منذ ذلك التاريخ إلى يوم الناس هذا..!.
و ما كان أسعد المغاربة- بعد ذلك- من أن يجري الدم الشريف بعروقهم، و تضخه القلوبُ الْمُتَيَّمَةُ بشرايينهم! فكانت المصاهرة هي القناة التعبدية التي صنعت « الرَّحم الوطنية» المشتركة بينهم و بين أحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلّم!
ثم كانت الْخُؤٌولَةُ و العُمُومَةُ معابِرَ أسرية، تسلك بالشعب المغربي إلى بيت سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم!
أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ.
و لم يزل المغاربة منذ ذلك التاريخ يتغنون بحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أشعارهم و أزجالهم، بصورة قلما تجدها عند قوم آخرينَ!.
والشعر المغربي القديم – بامتداده الأندلسي- المعنى بوصف الرحلة إلى الحج، و إلى المشرق عموما؛ حافلٌ بتباريج الشوق إلى ديار الحبيب، سيدنا محمد؛ بما لم يعرفه شعب من الشعوب الإسلامية! و من هناك سكن حب سيدنا رسول الله وجدانَ الشعب المغربي بما يستحيل معه فصل مواجيده عن حياتهم اليومية ! حتى صارت عبارة ( الصلاة على النبي) حاضرة لديهم في كل شيء، و في كل مناسبة! متضمَّنة في الأشعار و الأزجال و الحكم و الأمثال، مما يصدر عن الوجدان الشعبي المغربي. فهي بداية الكلام، و هي خاتمته، و هي واسطته، و هي لازمته المعادة على كل حال، مما يردده الناس في الأفراح و الأتراح! و بأسمار الليالي و مجالس الأذكار، و في مجامع الحَضَرِ و مضارِبِ الأسفار.
كما كانت ( الصلاة عليه) موردا للإسترواح من الأعمال المملة و المستثقلة، و عند الأشغال الشاقة! و لم يزل إنشاد قصيدة البردة و سائر الأمداح النبوية الأخرى كالهمزية و غيرها خير ما يطربون به و إليه، كلما دعتهم الحاجة إلى طرب خاشع متعبِّد. كل ذلك حبا في سيدنا محمد، و من أجل الصلاة على سيدنا محمد! و من ذا يَمَلُّ من تكرار اسم « سيدنا محمد»؟ و من الصلاة على سيدنا محمد؟ فصلى الله على سيدنا محمد، و على آل سيدنا محمد!.
حتى جاء عَلَّامَةُ المغرب القاضي عياض السبتي اليحصبي في القرن السادس الهجري (ت:، 544هـ)؛ ليسجل ذلك الحب النبوي المشرق، الصادر من قلوب المغاربة أجمعين، و يبثه في مصنفات له عبَرت كل القارات! حتى قيل في حقه رحمه الله:(لولا عياض لَمَا عُرِفَ المغرب!) و كان كتابه (الشفا بتعريف بحقوق المصطفى صلى الله عليه وسلّم) أعظم مدونة عرفها المغاربة في بسط الشمائل النبوية العطرة، التي تُقرب المخيال المغربي المشتاق إلى الطلعة البهية لسيدنا رسول الله، فتهيء لهم رؤية قلبية حية من خلال ما يسردون من أوصاف لرسول الله في كتاب الشفا! و يجددون العهد لحفظ حقوق هذا النبي الكريم، الذي جرى دمه الطاهر في شرايين المغاربة؛ نَسَباً و صِهْراً إلى يوم الدين! فكان هذا المغربُ، و كان هذا التاريخ! و ما كان ذلك ليكون للمغاربة و لا القاضي عياض إلا بحب سيدنا محمد! صلى الله عليه وسلم “.
التعليقات مغلقة.