الانتفاضة // محمد المتوكل
قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ).
نبي الله سليمان بن داوود عليه السلام هو أحد أنبياء بني إسرائيل، الذي حكم بعد وفاة أبيه، وكان عمره لا يتجاوز الثلاث عشرة سنة وقتها، ولقد منحه الله عز وجل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فسخر الله الجن والطير والرياح، كما كانت الشياطين تعمل بين يديه.
قال البيضاوي: فلما قضينا عليه الموت – أي على سليمان. ما دلهم على موته – ما دل الجن وقيل آله. إلا دابة الأرض – أي الأرضة أُضيفت إلى فعلها. وقرئ بفتح الراء أرَض وهو تأثر الخشبة من فعلها. فيقال أرضت الأرضة الخشبة أرضاً. تأكل منسأته – عصاه، من نسأت البعير إذا طردته لأنه يطرد بها. فلما خر تبينت الجن – علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم. إن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب المهين – إنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته حينما وقع فلم يلبثوا بعده حولاً في تسخيره إلى أن خر أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب. وذلك أن داود أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى. فمات قبل تمامه، فوصى به إلى سليمان. فاستعمل الجن فيه، فلم يتم بعد أن دنا أجله واُعلم به. فأراد أن يعمّي عليهم موته ليُتِموه فدعاهم فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب. فقام يصلي متكئاً على عصاه. فقبض روحه وهو متكئ عليها. فبقي كذلك حتى أكلتها الأرضة، فخرَّ. ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته. فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوماً وليلة مقداراً فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة.
قد نتسآل: كيف يموت سليمان الملك ويستمر سنة دون أن يعلم به أحد؟ أين نساؤه وأين أولاده؟ وأين حاشيته وأين شعبه؟ ألا يوجد أحد من كل هؤلاء يسأل عنه؟كيف كانت تسيرأمورالأمة ودوالب الحكم كل هذه المدة؟ ألم يُراجعه وزراؤه في تدبير شئون الدولة؟ وهل يتصورونه قائماً يصلي على عصاه سنة كاملة بدون نوم ولا أكل ولا شرب ولا استحمام؟ وكيف لما مات متكئاً على العصا لم يسقط؟ ألم يتحلل جسده ويصبْهُ النتن والتعفن. ولما أكلت الأرضة جزءاً من العصا ألم يختل توازنه ويسقط؟ أليس تآكل العصا في يوم يكفي لسقوط جسد الميت كتآكلها إلى آخرها لمدة سنة؟ وإذا كان سليمان قد بنى على نفسه صرحاً من قوارير ليعمي عين الإنس والجن عن موته، فلماذا لم يعلم مقدماً الدور الذي ستلعبه الأرضة؟ الجواب وبكل بساطة،إنها إرادة الله.قال تعالى: “إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ”
حينما دنت وفاة سليمان طلب من أهله ألا يخبروا الجن بوفاته سنة كاملة حتى يستكمل الجن بناء بيت المقدس، وقيل أنه -عليه السلام- دعا ربه أن يعمي عن الجن خبر موته حتى تعلم الإنس وتوقن أن الجن لا يعلمون الغيب، ولو كانوا يعلمونه ما لبثوا في العذاب المهين سنة كاملة.
توجد العديد من الفوائد التي يُمكن الاستفادة منها من قصة وفاة سُليمان -عليه السلام-، ومنها ما يأتي:
عدم معرفة الجن للغيب؛ وذلك بعد أن مات وهو مُتّكئ على عصاه، فلم تعلم الجن بموته إلا بعد أن أكلت دابة الأرض عصاه ووقع عنها، وهذا من باب تكريمه لنبيه سُليمان -عليه السلام-، لم تتعطل دوالب الحكم كما يدعي بعض المشككين،بل كانت تدارمن لدن رب حكيم عليم حتى يظهر الله هيبة سُليمان -عليه السلام وإبطال ما اعتقده بعض الناس في معرفة الجن للغيب.
التعليقات مغلقة.