المشهد المقلوب…هل يشيخ عقلنا قبل جسدنا؟

الانتفاضة // صوفية الصافي

هو المشهد المقلوب، و الارتباط بالجزئيات و نسيان الأساسيات،  فكثيرا ما نسمع ان هذا الشخص مسن، أو تلك المرأة وصلت مرحلة الشيخوخة بظهور تجاعيد بوجهها، و لكن هل طرح احد منا السؤال قبل هذا و قال: هل شاخ الصبي بعز شبابه؟ هل يمكن ان يشيخ عقلنا قبل جسدنا؟.

دعوني أجيبكم، نعم يشيخ عقلنا و لو بصغر سننا، فالعقل يشيخ بالتفاهة و عدم تغذيته بالأمور المهمة و على رأسها القراءة ثم القراءة، شاخ شبابنا و شاباتنا بين أحضان هواتفهم النقالة، و التكبيسات المجنونة، و الجري أمام المظاهر المزيفة و الكوادر المنفوخة بالإسفنج، و عزة النفس لكراكزة في جسد الرجال و النساء على حد سواء.

هو فعلا المشهد المقلوب، فالكثيرون و أكاد اجزم أنهم الكل، غافلون و مستغفلون لأهمية العقل و الاهتمام بصحته، خصوصا في ظل كثرة وسائل التواصل الاجتماعي، و التي جعلت من أناس هذا العصر ينشغلون بالتفاهة و معرفة أخبار الآخرين و متابعتهم عن قرب، و نسيان حالهم المقلوب.

لا نقرا، لا نبحث، و لا نعاني من الفضول الايجابي الذي يجعلنا نكتشف اليوم و غدا أشياء تعم علينا و على غيرنا بالخير و الخيرات، أصبحنا نحب الأمور الجاهزة، السريعة، في الأكل و الشرب و كذا بالعمل، حتى موضوع العلاقات الإنسانية و التي كانت بالأمس القريب مصدر دعم و تفاؤل و أخوة صادقة، أصبحت وهمية و مزيفة، فما ان تسال شخصا كم صديقا لديك؟ يقول: ألف و ألفين و ما يفوق، و لكن قفوا للحظة، هاته الأرقام هي وهمية و تمثل وسائل التواصل الاجتماعي لا غير، في حين ان حياته لا تتوفر و لا على صديق يتحلى بروح الصداقة و الغيرة الحقيقية، لينصحه و يرشده للطريق الصحيح.

لم تكل الوزارات و المؤسسات و جمعيات المجتمع المدني من التحسيس و حث الشباب على القراءة و الاهتمام بالعالم الثقافي، داعمين بذالك الاعتناء بالعقل و معرفة دوره الكبير في الحياة، و لكن وا أسفاه لا حياة لمن تنادي، تشبث جيلنا بثقافة تدمير العقول و تسهيل عملية شيخوختها حتى قبل أوانها، فالشيخوخة لدينا هي الشيب الأبيض و العكاز و المرض و النوم بالزاوية الضيقة للحياة، لنعود لنقطة البداية هو المشهد المقلوب، حتى و ان حباك الله بداك العقل الرزين الذي عرف قيمة ما يوجد داخل جمجمته مبكرا و مارست الرياضة و أنشطة متنوعة تحافظ بها عن شباب دماغك و حيوية جسدك، سمعت جملة شهيرة بمجتمعنا: ” جاتو المراهقة المتأخرة”، و للأسف العقول الجاهلة و قصيرة الرؤية ترى الأمور على هذا الشكل، و يضيعون طاقتهم بالتفاهة و التنمر على الآخرين، جاعلين من حياتهم جحيما في صورة ترفيه، فكما قال أرسطو: ” طاقة العقل هي جوهر الحياة”.

لابد لنا ان نستفيق قبل فوات الأوان، قبل وصول الشيخوخة الحقيقة لقلوبنا و أرواحنا، يجب علينا ان نستغل كل ثانية من حياتنا في الطريق السليم و نحاول و نحارب من اجل الصمود و الدفاع عن أحلامنا رغم علمنا المسبق ان الطريق ليست مفروشة بالورود، و لكننا نحاول نزع الشوك و قلب المشهد و رؤيته بالطريقة الصحيحة، و اختم بمقولة الفيلسوف ديكارت: ” ليس كافيا ان تمتلك عقلا جيدا، فالمهم ان تستخدمه جيدا”.

التعليقات مغلقة.