المبعوث الأممي “بن عمر” يكتب عن درب مولاي الشريف و”الجلاد” عرشان..

0

الانتفاضة / محمد جرو

ذاكرة سجناء الرأي بالمغرب خلال مااصطلح عليه بسنوات الجمر والرصاص ،تأبى أن تنسى معاناتها داخل السجون خلال تلك الحقبة من تاريخ المغرب الأسود،على الرغم من انشاء هياة الانصاف والمصالحة،التي كان على رأسها واحد من هؤلاء الذين ذاقوا مرارة غياهب تلك السجون ،قضى بها 20 سنة الراحل ادريس بن زكري،وكانت تجربة إفريقية وعربية مهمة ،إلا أن السجناء ظلوا يتذكرون تلك اللحظات العصيبة ،ومنهم المبعوث الأممي لليمن الدبلوماسي المربي جمال بن عمر ،الذي دون لحظة تاريخية عاشها ويأبى أن ينسى “جلاده”الذي أصبح زعيم حزب وبرلمان الكوميسير السابق محمود عرشان،الذي يرفض الكثيرون حتى مصافحته وواقعة السجين السابق والاديب صلاح الوديع واحد منهم ..رسالة إلى الجلاد… إلى تلميذ قدور اليوسفي القابع اليوم في البرلمان

من: جمال بنعمر
المكان: من زنزانة رقم… درب مولاي الشريف – الدار البيضاء 1976
إلى: قبة البرلمان – الرباط 2026

يا سيدي الجلاد الصغير،

لا أعرف اسمك الجديد. آخر مرة رأيتك، كنت تحمل الهراوة خلف معلمك. كان معلمك قدور اليوسفي يعلّمكم كيف تحفرون الأخاديد الدموية على ظهور الأطفال بضربات السياط، وكيف تتلذذون بصرخاتهم.

أنا لا أكتب لك لأستعطفك. أنا أكتب لك لأن التاريخ يلتف، وها نحن نلتقي مرة أخرى.

تتذكر يناير 1976؟
كنت تلميذا في ثانوية بتطوان، عمري 18 سنة، في حقيبتي منشورات لـ “إلى الأمام” كتبها أبراهام السرفاتي. لم أحمل سلاحا. حملت فكرة.
جئتم في الليل، عصبتم عيني، كبلتم يدي، ورميتموني في ذلك القبو سيئ الذكر درب مولاي الشريف. هناك كان معلمك قدور هو الجلاد الرئيسي.

هناك تعلمت أن الإنسان يمكن أن يبقى معصوب العينين لشهور. مكبل اليدين طوال الوقت. هناك سمعت رفاقي يموتون تحت التعذيب. عبد اللطيف زروال، أمين التهاني… ماتوا ولم يروا التغيير الذي حلمنا به.

حكمتم عليّ بـ 10 سنوات. وأنا من داخل الزنزانة، على ضوء شمعة، حصلت على الباكالوريا، ثم الإجازة، ثم بدأت الماجستير بالمراسلة. لأنكم تستطيعون سجن الجسد، لكن لا تستطيعون سجن الفكرة.

وتتذكر جنيف 1995؟
بعد 20 سنة، التقينا مرة أخرى. لم أكن ذلك الطفل المعصوب. كنت دبلوماسيا في الأمم المتحدة. وكنت أنت… أو معلمك قدور، ضمن الوفد الحكومي الرسمي المغربي جاء ليدافع أمام لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة، ويسوق “زورا وبهتانا التزام المغرب بالمعايير الدولية”.

يومها وقفت وفضحتك أمام صحافيي العالم. قلت: هذا هو جلادي.

ظننت أن تلك هي النهاية. لكنك لم تنته.

اليوم أراك في البرلمان.

معلمك قدور مات يوم 28 يوليوز، مات وهو يتمتع بتقاعده، بحماية الدولة، بالإفلات المخزي من العقاب، كما كتبت أنا يومها. مات دون محاسبة.

وأنت، تلميذه النجيب، خلعتم بدلة الكوميسار، ولبستم بدلة البرلماني. انتقلتم من قبو درب مولاي الشريف إلى قبة البرلمان. من تعذيب المعارضين إلى التشريع باسم الشعب.

تتحدثون اليوم عن “عرشان” وعن منطق العرشانية، عن منطق التحكم، عن نفس المنظومة: منظومة تعتبر المعارض خطرا يجب تصفيته أو سجنه أو تدجينه سبيلا للبقاء جاثما على صدر المغاربة.

أريد أن أقول لك شيئا واحدا:

أنا خرجت من الزنزانة إلى الأمم المتحدة. من معتقل سري في الحي المحمدي إلى مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، أتفاوض مع رؤساء وحكومات، وأقود انتقالا سياسيا لبلد بأكمله.

وأنت خرجت من نفس الزنزانة، كجلاد، إلى مقعد في البرلمان.

هذا هو الفرق بيننا.

أنت تمثل الماضي الذي يرفض أن يموت. أنا أمثل المستقبل الذي حاولتم قتله ولم يمت.

أكتب هذه الرسالة ليس لك، فأنت لا تقرأ. أكتبها للتاريخ، وللأطفال الذين سيقرأون غدا أن في هذا البلد كان هناك درب اسمه درب مولاي الشريف، لم يكن مجرد مكان عابر، بل كان جزءا من منظومة قمع استهدفت خيرة شباب هذا الوطن.

وأكتبها لأقول: ملف الانتهاكات الجسيمة لا زال مفتوحا. طالما أن الجلاد يلبس بدلة برلماني، وطالما أن الضحية لم ير العدالة، فالمصالحة أبوابها لا زالت مفتوحة وصفحاتها السوداء لم تغلق.

جمال بنعمر
الضحية الذي أصبح شاهدا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.