الدكتور محمد نخلي المحامي بهيئة مراكش يكتب: كلمات على الطريق(43)

فاطمة الزهراء المنصوري… مسار امرأة تستحق منا كل التشجيع والاحترام

0

الانتفاضة

منذ متى أصبح التعثر في قراءة كلمة سبباً للحكم على كفاءة إنسان؟ ومنذ متى صرنا نختزل مسار امرأة، بما فيه من دراسة وعمل وتجربة ومسؤوليات، في لحظات من التلعثم أمام الكاميرات؟

أتابع ما تتعرض له السيدة فاطمة الزهراء المنصوري من تنمّر في الفضاء الأزرق، على خلفية تعثرها في بعض العبارات أثناء تقديم برنامجها الحكومي، وأتساءل: أهذا هو النقاش الذي يحتاج إليه المغرب اليوم؟ وهل استوفينا مناقشة الأفكار والالتزامات والأولويات، حتى تفرغنا لملاحقة عثرة لسان؟

أكتب هذه الكلمات من موقع معرفة شخصية ومهنية، ومن اقتناع بأن الإنصاف واجب، خصوصاً عندما يصبح التهكم أسهل من التفكير، وتتحول السخرية إلى عدوى يتسابق الناس إلى نشرها.

فاطمة الزهراء المنصوري زميلة في مهنة المحاماة، أكنّ لها الاحترام والتقدير. ولها عندي، إلى جانب ذلك، صلة بذكرى عزيزة: والدها المرحوم مولاي عبد الرحمان المنصوري، الذي جمعتني به صداقة شخصية أعتز بها.

ما زلت أستحضر لقاءاتنا خلال تسعينيات القرن الماضي، رفقة مجموعة من الأصدقاء، في السادسة من صباح كل يوم، ونحن نمارس المشي بين منعرجات حي النخيل بمراكش، قبل أن نجتمع في منزل الأستاذ المنصوري لنتبادل الحديث ونرتشف الشاي. كانت لحظات صداقة وألفة، تركت في النفس أثراً لا يمحوه الزمن. وحين أتحدث اليوم عن ابنته، فإنني أستحضر هذه الصلة وأعلنها بوضوح، لأنها جزء من الخلفية الإنسانية للشهادة التي أقدمها.

ولقد عرفتها مراكش أيضاً من خلال مسؤولية تدبير المدينة. وفي تقديري، بذلت في خدمتها جهداً كبيراً يستحق الاعتراف، وسط إكراهات يعرفها كل من اقترب من الشأن المحلي، ويدرك حجم حاجات هذه المدينة وانتظارات سكانها. ولمست لدى كثير من المراكشيين ما تحظى به من احترام وتقدير، وما يربطهم بها من علاقة تتجاوز الانتماءات الحزبية.

وتحملت مسؤولية تنسيق قيادة حزب كبير بحجم الأصالة والمعاصرة، وصولاً إلى تعيينها من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية. وهو مسار يستحق أن يُقرأ بجدية، وأن يُناقش بما يليق بحجم المسؤولية، وبما تحمله هذه الخطوة من معنى للمرأة المغربية.

أمام كل ذلك، هل يجوز أن نجعل من عثرة في التعبير حكماً نهائياً على صاحبتها؟

للعربية مكانتها التي نعتز بها، وللخطاب العمومي مقتضياته من وضوح وسلامة ودقة. ومن الطبيعي أن ننتظر من المسؤول أن يحسن عرض أفكاره والتواصل مع المواطنين. ويمكن أن نصحح عبارة باحترام، وأن ننبه إلى خطأ بلباقة، وأن نطلب أداءً أفضل، من دون تجريح أو تحقير.

أما تحويل لحظة ارتباك إلى مادة للتندر، ثم اتخاذها مقياساً للثقافة والكفاءة والأهلية، ففيه ظلم للإنسان واستخفاف بجدية النقاش الذي تستحقه المسؤولية العامة.

والتعثر في مقام بعينه لا يكفي للحكم على التكوين اللغوي لصاحبه، ولا على معرفته أو قدرته على التدبير. كم من صاحب علم وخبرة ارتبك أمام جمهور، وكم من متحدث بليغ لم تُسعفه بلاغته حين جاء وقت القرار والعمل.

أن تتعثر رئيسة الحكومة في بعض الكلمات، ثم تفي بما تعهدت به أمام البرلمان، خيرٌ من خطابة بليغة لا تجد طريقها إلى التنفيذ. فالمغاربة ينتظرون صدق الالتزام وأثره في حياتهم، وبلاغة المسؤول تكتمل حين تتحول وعوده إلى أعمال.

المواطن ينتظر مدرسة أفضل، وعلاجاً أيسر، وفرصة شغل، وإدارة تحترم وقته وكرامته. وعلى هذه المطالب ينبغي أن ينصب النقاش، وأن تُختبر الوعود، وأن تُقاس النتائج.

فلنناقش برنامجها، ولنطرح عليها الأسئلة الصعبة، ولنطالبها بالوفاء بالتزاماتها. ذلك حقنا، بل واجبنا. أما أن نختزل حضورها في كلمة تعثرت فيها، وأن نصنع من الحبة قبة، ففي ذلك إساءة إليها وإفقار للنقاش العام معاً.

وأنا أرى فيها حسن النية والكفاءة والإرادة. وهذه، في تقديري، أسباب جدية لمنحها الثقة والتشجيع وفرصة العمل. والمسؤولية التي تتولاها ثقيلة، وتحتاج إلى جهد وإصغاء وشجاعة، كما تحتاج إلى مناخ يسمح بالعمل والتصحيح والتقدم.

وفوق هذه الاعتبارات كلها، هي سيدة محترمة، تستحق أن تُخاطب باحترام. والكرامة حق ثابت للناس، مهما اختلفنا معهم في الرأي أو السياسة.

والتشجيع الذي أدعو إليه ينسجم تماماً مع المساءلة. فمن يتمنى للمسؤول النجاح يطالبه أيضاً بالإنجاز، وينبهه إلى مواطن القصور، ويساعده بالنقد الصادق على تصحيح المسار. هكذا تكون المساندة نافعة، ويكون الاختلاف مثمراً.

من جهتي، أقول لها بصدق: لكِ منا كل التشجيع والاحترام، ولكِ منا المساندة في كل ما يخدم الصالح العام. نريد لكِ النجاح في هذه المسؤولية، ونطمح إلى أن تكوني من أفضل من تحمّلوها، لأن نجاحكِ في تحسين حياة المغاربة سيكون مكسباً للبلاد كلها.

سنتابع العمل والنتائج، ونقول كلمتنا بصدق. ولنجعل من هذه الكلمة عوناً على تحمّل المسؤولية والوفاء بما ينتظره المغاربة، ولنمنح هذه التجربة فرصتها في إثبات جدارتها بالفعل والإنجاز.

وفّق الله الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري في مسارها، وأعانها على خدمة الوطن والمواطنين. وكلنا أمل في أن تكتب بعملها وإنجازاتها صفحة مشرقة في تاريخ المرأة المغربية وفي مسيرة بلادنا.

دمتم بخير،
وإلى لقاء آخر.
الدكتور محمد نخلي
محامٍ بهيئة مراكش

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.